شهر شباط / فبراير . ولم يبق من بعثتنا الكبيرة غيري ، وحين فكرت بطريق العودة المرسوم لنا عبر البصرة ومنها تركيا ، توقعت مصاعب كتلك التي تعرضنا لها أثناء رحلتنا من مصر إلى بومباي لذا تضاءل املي برؤية أوروبا . واعتبرت أن أول واجباتي هي المحافظة على صحتي لأني إذا متّ قد لا تصل اوراقي إلى أوروبا « * » ، ودفعتني هذه الفكرة وغيرها إلى اتخاذ القرار بالسفر مباشرة من بومباي إلى لندن على متن سفينة من الشركة الانكليزية للهند الشرقية ، لكني وجدت سفينة انكليزية كبيرة ( القبطان جيمس مسات
James Massat
) تستعد للابحار نحو سورات حيث ستحمل بضائع للصين ، فقررت أن أسافر على متنها إلى هذه المدينة التجارية الشهيرة .
الرحلة من بومباي إلى سورات
في 24 اذار / مارس 1764 قبل الظهر ، غادرنا مرفأ بومباي ، وكانت الرياح مؤاتية فوصلنا عند المساء إلى مهيم « * * » . ومن هنا أصبحت أسرع ، لأننا رسونا في 26 صباحا في مرفأ سورات على ارتفاع 21 درجة ، وتبعد المدينة عن المرسى حوالي ثلاثة أميال ، لكن بما أن الريح وحركة الموج عاكسانا ، توجهت والقبطان وبعض الانكليز إلى دوموس
( Domus )
، لنكمل الرحلة عبر البرّ إلى سورات .
ودوموس هي قرية صغيرة ، لا يلفت الانتباه فيها سوى أن رتباء اوروبيين يقيمون بها ، ويضطرون إلى اعلام التجار المقيمين في المدينة بالمراكب التي تصل كلها ، كما نجد هنا شجرة عظيمة تستخدم كعلامة للتجارة . وتتميز هذه الشجرة بأن أغصانها تنمو الأسفل ، وما أن تلمس الأفنان الأرض حتى تضرب جذورها وتسند بالتالي الشجرة ، وهذا الامر ليس بنادر في الهند لذا
هامش
( * ) هكذا ضاعت أوراق السيد دوناتي ، راجعوا الجزء الأول وكتب لي أحد أصدقائي في حلب في العام 1773 ليعلمني ان شخصا يدعى السيد تورتي( Toretti )مرّ بالمدينة متجها إلى الهند لاكتشاف مصير أوراق هذا العالم .
( * * ) تقع مهيم ، وهي مدينة صغيرة فيها قصر يقيم فيه مستشار من بومباي ، في الطرف الشمالي للجزيرة . ونجد هنا رصيفا رمليا يتقدم في المياه غرز فيه صيادو الأسماك عصيّا عدة يبلغ طولها 20 إلى 30 قدما قد يعتقدها المرء بسهولة أشرعة مراكب صغيرة سيما عند الجزر ، وهذا ما ظنه البرتغاليون منذ فترة فأطلقوا النار باتجاهها . ولازالت هذه الأمة في حرب ضد الهنود كلهم فلا يتجرأ أحد رعاياها على الابحار من دون ان ترافقه سفينة حربية . عندما كنت في بومباي ، وصلت إليها مراكب صغيرة حربية وعدد من السفن التي تمارس التجارة بحماية هذه المراكب وتريد الوصول إلى ديو( Diu ). وسمعنا ليلة أبحروا طلقات مدفع مما دفعنا إلى الاعتقاد بأن البرتغاليين صادفوا ماراتيين ، لكن في اليوم التالي تبين لنا انهم ظنوا هذه العصي أسطولا هنديا ، واجبروا مركب صيادي أسماك على الاقتراب منهم ، وبما انهم يعتبرون هؤلاء وثنيين وبالتالي اتباعا لأعدائهم ، أطلقوا عليهم النار وأصابوا بعضهم إصابات بالغة . لكن حين تبين انهم صيادون من مهيم وبالتالي من رعايا انكلترا ، أجبر السيد كروملين حاكم بومباي القنصل البرتغالي المقيم هنا على رعاية هؤلاء حتى شفاءهم ودفع عطل وضرر لهم .