ملاحظات من القسطنطينية
وردنا الكثير من الوصف للقسطنطينية أو اسطمبول ، كما يسميها الأتراك ، فلا يسعني إضافة أشياء جديدة ومهمة ولا سيّما أني لم أبق في المدينة لوقت طويل ، كما لم تتسنّ لي فرصة رؤية الكثير فيها . وما إن تحسنت صحتي حتى انتقلنا إلى مصر ، لكن بما أني تعرفت عن كثب وفي طريق العودة على مكان إقامة السلطان سأورد هنا بعض الملاحظات ويسرني أن أذكر أمورا لم تكن معروفة من قبل .
إن مدينة القسطنطينية كبيرة بلا شك ، لكن إذا ما اعتبرنا كاراغاش
( Kara Ag sch )
، وغلطه
( Galata )
وبيرا
( Pera )
، ودولما باغش
( Dolma Bagsche )
وغيرها ، وهي واقعة في الجهة الأخرى للخليج فضلا عن أسكدار
( Scudar )
قاضي كوي
( Kadi Kaj )
الواقعتين في الجهة الأخرى للبحر وبالتالي في آسيا ، مدنا أو قرى بحد ذاتها ، لا يمكننا عندها مقارنة مساحة القسطنطينية مع ضاحيتها أجيب
( Ajub )
، والأحياء الواقعة خارج الأسوار على ضفاف البحر بمساحة لندن أو باريس . ولا يمكن تحديد عدد سكان مدن الشرق ، لأن عادة إحصاء المواليد والوفيات غير متبعة بعد ، وأقصى ما يمكن أن يفعله المسافر في هذا الإطار هو تحديد مساحة المدينة ومعرفة إذا ما كانت مسكونة بالكامل . أعتقد أن مدننا مكتظة بالسكان أكثر من مدن الشرق ، أما سقوف المنازل في الشرق فمنخفضة مقارنة مع المنازل الأوروبية ، ويحلو للشرقيين ترك مساحات خضراء وراء منازلهم . أما المسافرون الذين يعتبرون مدن الشرق مكتظة للغاية فيعتمدون في حكمهم هذا على العدد الهائل للأشخاص الذين نصادفهم في الشوارع التجارية . لكن ينبغي الانتباه إلى أن الشرقيين لا يحبون اصطحاب الأجانب إلى المنازل التي تقيم فيها عائلاتهم ، مما منع دخول التجار والحرفيين إليها . ويعمل هؤلاء الأخيرون في محال صغيرة على طول الشوارع التجارية ، لذا لا نرى في بعض الأحيان سوى نجارين في أحد الشوارع ، وحدادين في شارع آخر ، أو صائغين أو تجار حرير أو تجار جوخ أو صانعي أمشاط أو غيرهم . ويتوجه الآلاف من هؤلاء إلى القسطنطينية صباحا ، ليغادروها عند المساء إلى منازلهم القائمة في ضواح بعيدة أو في قرى واقعة على المضيق قرب البحر الأسود . هذا الكم الهائل من الأشخاص الذي لا نرى إلا القليل منه في شوارع أوروبا ، هذا الحشد من الرجال والنساء الذي يؤم الشوارع التجارية للعمل أو للتسلية يبدو استثنائيا بالنسبة لأجنبي لأن الشوارع ضيقة للغاية ، لكن لو اعتاد المسافرون زيارة الأحياء البعيدة لما صادفوا الكثير من الناس كما في مدن أوروبا .
وتبقى خارطة القسطنطينية التي وضعها القبطان الأفضل بين الخرائط التي شاهدتها كلها ، لكن