تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة أفوقاي الأندلسي — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
جهة طيط - هو بلد خال كان للمسلمين - وذكرنا له عين الماء الذي وجدناه في الليل ، فقال للناس الحاضرين : تلك البلاد نعرفها كلها وليس فيها ماء على وجه الأرض إلا في الآبار الغارقة . وبعد أن تنعمنا بالماء وصلينا الصبح مشينا في طلب أزمور وبسبب السحب لم نر الشمس حتى كانت في وسط السماء ، ثم سرنا نطلب على الما ونجد آبار غارقة يابسة ، ثم استظللنا بشجرة كبيرة بعد العصر ، وسمعنا حس البحر ، ولينا إليه لعلنا نجد ماء فلم نجد شيئا في حاشية البحر للشرب . ثم مشينا على طريق وكنت أظن أنه ماش إلى أزمور . فبعد نصف الليل بلغنا إلى بساتين البريجة ، ثم جزنا وتركناها من ورائنا ، وسرنا من البريجة . ثم صعدنا على جبل ورأينا المسلمين يحصدون الزرع ولما قربنا منهم جاءوا إلينا بأسلحتهم وخيلهم ، فلما وصلوا إلينا قلنا لهم : نحن مسلمون ، فأمسكوا عن الحرب ، وفرحوا بنا فرحا عظيما ، وأعطونا الخبز والطعام الذي لم نره من يوم الجمعة قبل الزوال إلى يوم الاثنين عند الضحى . ثم بلغنا إلى أزمور فأقبل علينا قائدها وبحثنا كثيرا في أمور دين المسلمين ، وقال لي : أتكتب بالعربية في هذه الورقة ؟ قلت له : ما أكتب ؟ قال : الذي تحب ، فكتبت ما ألهمني الله تعالى ، وشكرته على قضاء الحاجة وخلاصنا من الكفار ، ودعوت بالخير للقائد محمد بن إبراهيم السفياني على ما أحسن إلينا ، وقبض الورقة ، وأظن أنه بعثها للسلطان مولاي أحمد - رحمه الله - ، وكتب له وأمره أن يمشي بحضرته في عيد الأضحى ، وأن يحملنا معه ، فلما أن بلغنا في دكالة إلى سوق كبير أمر القائد بخديمه أن يركب معي إلى السوق ، فلما أن دخلنا فيه جاء المسلمون يسألون الخديم عني ، قال لهم ، هو مسلم ، فجاءوني من كل جانب وهم يقولون لي : شهد ! شهد ! وأنا ساكت حتى ألحوا علي وكثروا في ذلك ، قلت : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . قالوا : والله إنه قالها خير منا ، ثم مشوا وأتوني بتمر وغير ذلك مما كانوا يبيعونه وفضة دراهم . قلت لهم : لا أطلب منكم شيئا من ذلك ، فلما ولينا عند القايد قال لي : ما ظهر لك ؟ قلت : الحمد لله إذ لم نر عدوا في هذه الناس ، لأن في بلاد النصارى لم نر فيها في الأسواق إلا أعداء لنا يمنعونا من الشهادتين جهرا ، والمسلمون يحرضونني عليها وفرحوا جميعا حين سمعوا مني ذلك . وقد شبهت ما أصابنا من خوف النصارى وما رأينا من التعب في الطريق إلى أهوال