وقد غاض بحر العلم مذ غاب شخصه * ولكنّ بحر الوجد من بعده طما
قال اليافعي : وكان الشيخ المذكور قد ابتلي بذهاب البصر ، فقال عند ذلك مخاطبا نفسه :
وقالوا قد دهى عينيك سوء * فلو عالجته بالقدح زالا
فقلت الربّ مختبري بهذا * فإن أصبر أنل منه الجلالا « 1 »
وإن أجزع حرمت الأجر منه * وكان خصيصتي منه الوبالا
وإنّي صابر راض شكور * ولست مغيّرا ما قد أنالا
صنيع مليكنا حسن جميل * وليس لصنعه شيء مثالا
وربّي غير متّصف بحيف * تعالى ربّنا عن ذا تعالى
وتوفي سنة خمس وعشرين وخمسمائة عن ثمان وثمانين سنة ، ودفن بجنب ولده ، وقبراهما هنالك بجنب المسجد يزورهما الصالحون وغيرهم ، واللّه أعلم .
ولم نقم في هذه الجزيرة إلّا نصف نهار حتى عدنا إلى اقتحام التيار واستلام ذلك الفلك السيّار . فسرنا والبحر المديد دائرته مختلفة ، ولم نر مع وافر دوائره دائرة مؤتلفة ، والسفينة قد اشتملت بشراعها الصماء ، وتشاممت « 2 » وهي كما قيل : أنف في السماء وأست في الماء ، فلم نزل كذلك حتى جئنا ( بندر الحديدة ) ، وقد أبدى فينا السأم أيده ، فألفيناها عامرة بالخيرات ، غامرة بالميرات ، وفيها من أنواع الرطب ما يلهي عن استماع الخطب ، ومن أقسام النّوار ما يسلّي الفرزدق عن النّوار ، فعلمنا أنّ تصغيرها ليس للتحقير ، بل يعذب اسم الشيء بالتصغير ، فأقمنا بها ثلاثة أيام حتى قضينا منها المرام .
ثم أقلعنا منها للمسير مستبشرين بأن لم يبق من التّعب إلّا اليسير ، وإن
هامش
( 1 ) في ك ( النوالا ) مكان ( الجلالا ) والمثبت موافق لرواية اليافعي .
( 2 ) يقال : اشتمل الصمّاء ، إذا جلّل جسده كلّه بالكساء . تشاممت : تظاهرت بالشمم ، أي الارتفاع .