التفكير ، من نشاط عقل ابن خلدون ، حينما كتب هذا النص أو قرأه .
وأحسب أن من الواجبات الأولى على قارئ هذه المخطوطات التي يتيسر فيها وصلها بمؤلفيها أن يعنى بمقدار التركز الذهني للمؤلف حين تأليفه لكتابه أو قراءته له .
* * * والكتاب - إلى ما تقدم - يحوي حقائق تاريخية ، قال التاريخ فيها كلمته ، وعلمية انتهى العلم قبل المؤلف من تقريرها على وجه ما في المظان الأولى لها ، ولم تعد موطنا للمناقشة .
ومعنى هذا أننا لا نستطيع أن نخرج من حسابنا الرقابة التي تفرضها المقررات التاريخية والعلمية على ما يورده المؤلف من هذه الحقائق في كتابه ؛ ومن هنا جاءت ضرورة استشارة كتب هذا النوع من المعلومات ، والاستعانة بها في التنبيه على ما انحرف فيه المؤلف عن الصراط المستقيم . ولو استفسر المؤلف أيضا عن سبب خلافه للذي خرج عن ميدان الاختلاف بين العلماء ، لأقر ما نص عليه سابقوه واستقرت كلمتهم عليه .
والحديث هنا لا يتناول بطبيعة الحال ما خالف فيه المؤلف غيره مخالفة مقصودة دفعه إليها وجه من وجوه النظر ، فإن هذا رأيه ليس مما يباح فيه التبديل والتغيير ، وإنما الحديث عن المخالفة التي تقوم الدلائل القوية على أنها جاءت عفوا لم يكن للقصد فيها مجال .
ولم أهمل - في هذا النوع - ما أورده المؤلف ، بل أثبته في الحاشية للعلة التي سبق الحديث عنها .
* * * إلى هنا والحديث لم يعد محاولة إقرار النص على الصورة التي يريد مؤلفه أن يتداوله الناس عليها .
وقد عارضته بأصوله المباشرة ، وهي تتمثل في مجموعات تنتسب إلى أصول قديمة الصدور عن المؤلف ، ومتوسطة ، وحديثة ؛ وغير المباشرة ، وهي كتب التراجم والتاريخ وغيرها مما نقل عنها ابن خلدون أو نقلت عنه ، أو تناولت ما تناوله من موضوعات .
* * *
رحلة ابن خلدون — صفحة 43
مساهمون: ابن خلدون
ص٤٣