وأقمت بالإسكندرية شهرا لتهيئة أسباب الحجّ ولم يقدر عامئذ ، فانتقلت إلى القاهرة أول ذي القعدة ، فرأيت حضرة الدنيا ، وبستان العالم ، ومحشر الأمم ، ومدرج الذّرّ « 1315 » من البشر ، وإيوان الإسلام ، وكرسي الملك ، تلوح القصور والأواوين في جوّه ، وتزهر الخوانك « 1316 » والمدارس بآفاقه ، وتضيء البدور والكواكب من علمائه ، قد مثل بشاطئ بحر النيل نهر الجنّة « 1317 » ومدفع مياه السماء ، يسقيهم النّهل والعلل سيحه « 1318 » ويجني إليهم الثّمرات والخيرات ثجّه ، « 1319 » ومررت في سكك المدينة تغصّ بزحام المارّة ، وأسواقها تزخر بالنعم . وما زلنا نحدّث عن هذا البلد ، وبعد مداه في العمران ، واتساع الأحوال ، ولقد اختلفت عبارات من لقيناه من شيوخنا وأصحابنا ، حاجّهم وتاجرهم ، بالحديث عنه . سألت صاحبنا قاضي الجماعة بفاس ، وكبير العلماء بالمغرب ، أبا عبد الله المقري ، « 1320 » ( مقدمه من الحجّ سنة أربعين « 1321 » ) ، فقلت له : كيف هذه القاهرة ؟ فقال : من لم يرها لم يعرف عزّ الإسلام .
وسألت شيخنا أبا العبّاس بن إدريس « 1322 » كبير العلماء ببجاية مثل ذلك فقال :
هامش
( 1315 ) المدرج : الطريق . والذر : النمل الأحمر الصغير .
( 1316 ) جمع خانقاه ، وتقدمت كلمة عنها .
( 1317 ) يشير ابن خلدون هنا إلى ما يقص حول نهر النيل من أنه أحد أنهار الجنة ، كدجلة والفرات ، وسيحان . وانظر الباب الأول من كتاب : « معرفة نيل مصر » للعماد الأقفهي ( مخطوطة بمكتبة بغداد لي وهبي رقم 1027 ) ، وخطط المقريزي 1 / 80 - 81 طبع مصر سنة 1324 . على أن ابن خلدون لم يلتفت إلى هذا حين تحدث عن هذه الأنهار في مقدمته ؛ وقد نقد ياقوت هذه الأقاصيص بأنها « حديث خرافة » .
( 1318 ) السيح : الماء الجاري على وجه الأرض .
( 1319 ) الثج : الصب الكثير . وفي القرآن :« وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً »وثجيج الوادي : سيله .
( 1320 ) مرت له ترجمة .
( 1321 ) الزيادة عن الظاهري .
( 1322 ) هو أبو العباس أحمد بن إدريس البجائي المالكي المتوفى بعد سنة 067 ، له ترجمة في الديباج ص 81 ، ونيل الابتهاج ص 71 .