وكان من قصّة هذه النّعل حسبما أخبرني به صاحبنا المقرئ أبو عبد اللّه محمد بن علي بن القصّاب في الحادي والعشرين من شعبان المكرّم عام سبعة وسبعين وستّماية . . . أن القدم التي قاس عليها كانت مما تصيّرت لميمونة بنت الحارث الهلاليّة أم المؤمنين مما تركه النبيّ ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتوارثها ورثتها من بعدها إلى أن حصل بيد بني أبي الحديد . ولم يزالوا يتوارثونه إلى آخرهم موتا ، فترك ثلاثين ألف درهم وترك ذلك القدم ، وولدين له . فقال أحدهما للآخر : تأخذ المال أو تأخذ القدم ؟ فاصطلحا على أن أخذ أحدهما المال والآخر القدم . فذهب به إلى أرض العجم ، فكان يغدو به على الملوك يتبرّكون به ، حتى رجع إلى بلاد خلاط ، فبعث به إلى الملك الأشرف ابن العادل يتبرّك به ، فطلب منه أن يقطع منه قطعة يتبرّك بها . ثم إن الملك تحرّى عن ذلك ، فطلب منه أن يعوّضه منه قرية ويعطيه إيّاه . وقال له : أنت شيخ كبير فما تصنع به ؟ فأجابه إلى ذلك .
ثم إن الملك الأشرف ملك الشام ، واستوطن مدينة دمشق ، فابتنى دار الحديث الأشرفية ووقف لها وقفا كثيرا ، وجعل الجانب القبلي منها مسجدا للصّلاة ، وجعل شرقي محراب المسجد بيتا لتلك النعل المذكورة . فسمّرها بمسامير فضّة على تابوت من أبنوس ، وجعل له قفلا من فضّة ، وأرخى عليه ثلاث ستور من حرير أخضر وأحمر وأصفر ، كل ستر منها بمال ، وجعل له بابا كبيرا مصفّحا بالنّحاس ، كأنه الذهب . وجعل عليه فيما رتّب له أربعين درهما ناصريّة ، مبلغا ثمانون درهما من دراهمنا كل شهر ، يفتح في كل يوم اثنين وكل يوم خميس لمن يتبرّك به .
( فتح المتعال في وصف النّعال للمقّري مخطوطة فاروج سلاطيان ، نقلا عن المنجّد ، مع المقابلة على طبعة الهند )
* * *
دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى — صفحة 45
مساهمون: أحمد ايبش
ص٤٥