[ رحلة السّلطان المؤيّد شيخ إلى الشّام ] [ سنة 817 ه ]
ثم استقلّ السّلطان ببقيّة عساكره من الرّيدانيّة في يوم السبت تاسعه ، وسار حتى نزل بغزّة في يوم الثلاثاء تاسع عشر المحرّم ، وأقام بها أياما إلى أن رحل منها في تاسع عشرينه ، وسار على هينته حتى نزل على قبّة يلبغا « 1 » خارج دمشق ، في يوم الأحد ثامن صفر من سنة سبع عشرة المذكورة ، ولم يخرج نوروز لقتاله ، فحمد اللّه المؤيّد على ذلك ، وعلم ضعف أمره ، فإنه لو كان فيه قوّة كان التقاه من أثناء طريقه .
وكان سير الملك المؤيّد على هينته حتى يبلغ نوروز خبره ويطلع إليه فيلقاه في الفلا ، فلمّا تأخّر نوروز عن الطّلوع اطمأنّ الملك المؤيّد لذلك وقوي بأسه ، غير أن نوروز حصّن مدينة دمشق وقلعتها وتهيّأ لقتاله ، فأقام السّلطان بقبّة يلبغا أياما ثم رحل منها ونزل بطرف القبيبات . وكان السّلطان في طول طريقه إلى دمشق يطلب موقّعي أكابر أمرائه خفية ، ويأمرهم أن يكتبوا على لسان مخاديمهم إلى نوروز : « أنّنا بأجمعنا معك ، وغرضنا كلّه عندك ، ويكثر من الوقيعة في الملك المؤيّد ، ثم يقول في الكتاب : وإنّك لا تخرج من دمشق ، وأقم مكانك ، فإنّنا جميعا نفرّ من المؤيّد ونأتيك ! » ، ثم يضع من نفسه ويرفع أمر نوروز ، ويعدّ محاسنه ويذكر مساوئ نفسه . فمشى ذلك على نوروز وانخدع له ، مع ما كان حسّن له أيضا بعض أصحابه في عدم الخروج والقتال ، أرادوا بذلك ضجر الملك المؤيّد وعوده إلى الدّيار المصرية بغير طائل حتى يستفحل أمرهم بعوده ، فكان مراد اللّه غير ما أرادوا .
* * *
هامش
( 1 ) قبّة يلبغا بناها نائب دمشق الأمير يلبغا اليحياوي عند قرية القدم جنوبي دمشق ، وبها مسجد القدم باق إلى اليوم خارج المدينة بعد حيّ الميدان ، وكان من رسوم دولة المماليك أن السّلطان أو النائب إذا كان مغادرا دمشق أو قادما إليها صحبة الموكب أو الجيوش ينزل بها . تقابلها بشرقي دمشق مصطبة السّلطان عند القابون . وقد زالتا كلاهما .