تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خطط الشام — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
واتفق أن بعض زوار الأوروبيين في الأرض المقدسة شاهدوا شيئا من العنف في بيت المقدس لم يكن لهم عهد به في أدوار الحكومات العربية القوية ، وانقلبت سماحة العرب بجفاء من خلفوهم من التركمان ، فعاد الزوار إلى ممالكهم يقصون ما لقوا من الشدة في الشام ويعظمون الأمر ، وكان التعصب الديني يومئذ على أشد حالاته في الغرب ، ومعظم حكوماته تدين بدين البابا وتخضع لسلطانه القاهر ، ولم يكن ظهر إذ ذاك المذهب الإنجيلي ، وكان مذهب الروم الأرثوذكس آخذا بالضعف ليس له روابط الكنيسة البابوية ولا سلطتها على الأرواح والأشباح ، فأوعز البابا إلى أمم النصرانية في الغرب ليهبوا كلهم إلي إنقاذ القبر المقدس من أيدي المسلمين . وقد ذكر أهل الأخبار من الأوروبيين في تعليل الحروب الصليبية ، أن المسيحيين والمسلمين كانوا حتى القرن الحادي عشر للميلاد على صلات سلمية إلا قليلا ، يحمل العرب إلى مصر والقسطنطينية حاصلات مختلفة من بلاد الهند والشرق الأقصى ، فتستبضعها من المدن الإيطالية باري وبيزة وجنوة وأمالفي والبندقية فيبيعونها في أوروبا . وكان العرب يسمحون للزوار أن يأتوا زرافات إلى فلسطين ، فيشخص إليها جماهير عظيمة من عامة نصارى الغرب يسجدون أمام القبر المقدس . وتضاعفت الحماسة الدينية في ذاك الزمن وتداعى الحكم العربي القائم على التسامح في قارة آسيا ، وقام مقامه المحاربون من الترك المعروفين بتعصبهم وبسالتهم . فاستولى السلجوقيون على أرمينية والشام ونيقية ودانت لهم في سنة ( 469 ه 1076 م ) القدس فاختلت العلائق الاقتصادية بين آسيا وأوروبا ، وخافت المدن التجارية في البحر المتوسط أن يغلق الأتراك أمامها أسواق الشرق . نعم نشأت الحملة الصليبية الأولى من الحماسة الدينية بصنع البابوية التي كانت إذ ذاك الحاكمة المتحكمة في كل شيء . ولقد تأثر البابا أوربانوس الثاني بشكاوي الزوار القادمين من فلسطين . وقلق للارتقاء المخوف الذي بلغه المسلمون في الأندلس ، ولا سيما عقبى وقعة الزلاقة سنة ( 480 ه 1087 م ) وقد أثبت العرب فيها كفاءتهم الحربية ، كما أثبتوا من قبل ومن بعد كفاءتهم المدنية ، واغتنم فرصة اجتماع المجمع الديني العظيم الذي التأم في مدينة