تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خطرة الطيف ( رحلات في المغرب والأندلس ) — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
اللّبات « 412 » سلوكا تأثر من الحصباء بكل درّ ثمين ، وترك الأرض مخصرة تغير من خضراء السماء ضرّة ، والأزهار مفترّة ، والحياة الدنيا بزخرفها مغترّة
أيّ واد أفاض من عرفات * فوق حمرائها أتمّ إفاضه ثم لما أستقر بالسهل يجري * شقّ منها بحلّة فضفاضه كلما انساب كان عضبا صقيلا * وإذا ما استدار كان مفاضه
فتعدّدت القرى والجنات ، وحفّت بالأمّات « 413 » منها البنات ، ورفّ النبات وتدبجت الجنبات ، وتقلدت اللبات ، وطابت بالنواسم المهبات ، ودارت بالأسوار دور السوار ، المنى والمستخلصات ، ونصبت لعرائس الروض المنصّات ، وقعد سلطان الربيع لعرض القصّات ، وخطب بلبل الدوح فوجب الإنصات ، وتموّجت الأعناب ، واستبحر بكل عذب منها الجناب . وزينت السماء الدنيا من الأبراج العديدة بأبراج ذوات دقائق وأدراج ، وتنفّست الرياح عن أراج ، أذكرت الجنة كل آمل ما عند الله وراج . وتبرّجت بحمرائها القصور مبتسمة عن بيض الشرفات ، سافرة عن صفحات القبات المزخرفات ، تقذف بالأنهار من بعد المرتقى فيوض بحورها الزرق ، وتناغي أذكار المآذن بأسحارها نغمات الورق « 414 » ، وكم أطلعت من أقمار وأهلّه ، وربّت من ملوك جله ، إلى التمدين المحيط الاستدارة ، الصادر عن الأحكام والإدارة ، ذي المحاسن المعارة ، المعجزة لسان الكناية والاستعارة ، حيث المساجد العتيقة القديمة ، والميازب « 415 » الحافظة للريّ المديمة ، والجسور العريضة ، والعوائد المقدّرة بنفائس الأذواق ، والوجوه الزهر والبشرات الرقاق ، والزيّ الذي فاق زيّ الآفاق ، وملأ قلوب المؤمنين بالإشفاق :
بلدة جلّلها اللّه سناء وسنا * وأجرّ السعد من حلّ لديها رسنا
هامش
( 412 ) اللبات : النحور . ( 413 ) أمات وأمهات جمع أم قيل الأمهات للناس والأمات للبهائم . ( 414 ) الورق : الحمام ومفردها ورقاء . ( 415 ) الميزاب والمئزاب : القناة يجري فيها الماء وجمعها ميازيب وميازب ومآزيب وربما قيل أيضا موازيب .
خطرة الطيف ( رحلات في المغرب والأندلس ) — صفحة 87 | لسان الدين ابن الخطيب / احمد مختار العبادى