Skip to main content

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية — Page 178

Contributors:

P.178
سدنته فان الحالة المميزة له في ذلك أن يدخلوه بالقراءة إلى موضع الصلاة عليه وربما اجتمعوا للعزاء بالبلاط الغربى من الصحن بإزاء باب البريد فيصلون أفرادا أفرادا ويجلسون وأمامهم ربعات من القرآن يقرؤنها ونقباء الجنائز يرفعون أصواتهم بالنداء لكل وأصل للعزاء من محتشمى البلدة وأعيانهم ويحلونهم بخططهم الهائلة التي قد وضعوها لكل واحد منهم بالإضافة إلى الدين فتسمع ما شئت من صدر الدين أو شمسه أو بدره أو نجمه أو زينه أو بهائه أو جماله أو مجده أو فخره أو شرفه أو معينه أو محييه أو زكيه أو نجيبه إلى مالا غاية له من هذه الألفاظ الموضوعة وتتبعها ولا سيما في الفقهاء بما شئت أيضا من سيد العلماء وجمال الأئمة وحجة الاسلام وفخر الشريعة وشرف الملة ومفتى الفريقين إلى ما لا نهاية له من هذه الألفاظ المحالية فيصعد كل واحد منهم إلى الشرفة ساحبا أذياله من الكبر ثانيا عطفه وقذاله فإذا استكملوا وفرغوا من القراءة وانتهى المجلس بهم منتهاه قام وعاظهم واحدا واحدا بحسب رتبهم في المعرفة فوعظ وذكر ونبه على خدع الدنيا وحذر وأنشد في المعنى ما حضر من الأشعار ثم ختم بتعزية صاحب المصاب والدعاء له وللمتوفى ، ثم قعد وتلاه آخر على مثل طريقته إلى أن يتفرغوا ويتفرقوا فربما كان مجلسا نافعا لمن يحضره من الذكرى . ومخاطبة أهل هذه الجهات قاطبة بعضهم لبعض بالتخويل والتسويد وبامتثال الخدمة وتعظيم الحضرة وإذا لقى أحدا منهم آخر مسلما يقول جاء المملوك أو الخادم برسم الخدمة كناية عن السّلام فيتعاطون المحال تعاطيا والجد عندهم عنقاء مغرب ، وصفة سلامهم ايماء للركوع أو السجود فترى الأعناق تتلاعب بين رفع وخفض وبسط وقبض وربما طالت بهم الحالة في ذلك فواحد ينحط وآخر يقوم وعمائمهم تهوى بينهم هويا اه . وقد يستغرب القارئ كيف ترجمنا إلى الآن مئات من علماء الأندلس واكتفينا من تراجمهم بعدة أسطار لكل واحد منهم عاملين بالمثل القائل : يكفى من القلادة ما أحاط بالجيد . ولكننا خرقنا هذه العادة في ترجمة ابن جبير السائح الأندلسي فنقلنا من ترجمة حياته ومن عيون فصوله وغرر كلماته ما لم ننقله لغيره من علماء الأندلس . والجواب عن هذا السؤال هو شهرة رحلته التي شرّقت وغرّبت وذكر فيها عن الشرق وأهله