تعالى شهادتهم وقتل فئة من أعداء اللّه الكافرين نحو ألف فارس وخمسة آلاف راجل فغسلها المسلمون من رجس الشرك وجلوها من صدأ الافك . انتهى
قلنا قد ظهر من هذا النقل أن المقرّى ، ومن قبله ابن عذارى ، إنما نقلا تاريخ فاجعة بربشتر عن ابن حيان لأن بعض الجمل مثل « فغسلها المسلمون من رجس الشرك وجلوها من صدأ الافك » مذكورة في نفح الطيب نقلا عن ابن حيان ، وأيضا في البيان المغرب لابن عذارى ، وكذلك يوجد اتفاق في بعض الروايات مثل أنه استشهد من المسلمين يوم ارتجعوا بربشتر نحو الخمسين ، وأن العدوّ فقد يومئذ ألف فارس وخمسة آلاف راجل . إلا أنه موجود بين روايتي ابن حيان وابن عذارى اختلافات في بعض التفاصيل . فان ابن عذارى لم يذكر تقصير يوسف بن سليمان بن هود في حماية بربشتر ، ولا ذكر أيضا أن احمد المقتدر أخاه فرّط في أمرها لانحراف أهلها إلى أخيه يوسف مع وجود العداوة بينهما . والحال أنه من سياق الكلام ، ومن قول ابن حيان إن العدو أقام يحاصر بربشتر أربعين يوما ، يظهر للقارئ أن التفريط وقع من بنى هود في أمرها سواء كان يوسف بن هود أو أخوه احمد ، وأن أهل بربشتر كانوا من حزب يوسف ، فبهذا السبب تركهم احمد الذي كان أميرا لسرقسطة ولم ينجدهم .
وكذلك يوسف تأخر عن نصرتهم ، ولا سبب في ذلك ، واللّه أعلم ، سوى خوفه من أخيه ، لأنهما كانا في شقاق بعيد ، وكل منهما يستنصر بالطاغية ابن ردمير على أخيه فتأخر يوسف وتأخر احمد عن نجدة أهل بربشتر بخوف كل منهما من الآخر . فجرى على بربشتر ما جرى من الفاجعة التي ندر وقوع مثلها في الاسلام . ولا شك في أنه تحدّث المسلمون بهذا الخبر في كل ناد ، وجعلوا التبعة في هذه الفجيعة على بنى هود ، ولا سيما على أحمد بن سليمان بن هود الملقب بالمقتدر صاحب سرقسطة لأنه كان أقدر من أخيه على اصراخ أهل تلك البلدة ، فلذلك عمد احمد لا صمات سوء المقالة عنه ، كما قال ابن حيان ، وصمد إلى بربشتر بجموع المجاهدين واسترجعها ، وشفى صدور المسلمين ( 13 - ج ثاني )
الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية — صفحة 193
مساهمون: شكيب أرسلان
ص١٩٣