فأوقدوا لنا النار بالأحطاب ، وأضافونا بأنواع المآكل ، وقدّموا لنا عليق الدواب ، فما أكلنا من ضيافتهم مقدار ما أكلت منّا البراغيث ذوات الأذناب ، حتى تذكّرنا قول الشاعر الأول الذي إلى قوله هذا المعنى يتأوّل :
أنزلنا الدّهر على معشر * تغرّ بالناس أحاديثهم
/ فما أكلنا من ضيافاتهم * ما أكلت منّا براغيثهم
فيا لها من ليلة برغوثية باردة الأطراف والجوانب ، كأنّها شعر الخليّ من العشق الذي ليس له رويّة ، وقد قلنا فيها واستملينا نطق فيها :
أيا ليلة قد ضمّنا خان سعسع * ونحن على نيل السّرور لنا حرص
وبرد وبرغوث علينا توافقا * فهذا له قرض وهذا له قرص
ولا بدع أن يكون للبرد هناك لواء منشور ، وقد شاب بالثلج رأس جبل الشيخ المشهور ، حتى أنطقنا الوارد في هذه الموارد :
يا ليلة في سعسع لو لم نكن * في الخان كنّا مثل شكل الدّايخ
وجبل الشيخ علينا بارد * والبرد من طبيعة المشايخ
وقلنا كذلك :
يا ليلة في سعسع * بتنا بها في خبل
والثلج قد قابلنا * في جبل منجبل
وقد عجبنا مذ بدا * وجه الربيع المقبل
واخضرّ شارب الربى * وشاب رأس الجبل