تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
خصوصا قاضي القضاة عزّ الدين بن جماعة ، فإنّه جهد كلّ الجهد في صرف السلطان عنه ، فلم يفعل ؛ وما زال بهم حتّى بايعوه . ثمّ إنّ اللّه فجع النّاصر بموت أعزّ أولاده الأمير أنوك ، فكان ذلك أوّل عقوباته ولم يمتّع بالملك بعد وفاة المستكفي ، فأقام بعده سنة وأياما ، وأهلكه اللّه « 1 » . وقد قيل : إنّ وفاة المستكفي كانت سنة إحدى وأربعين ، فعلى هذا لم يتمّ الحول على الناصر ، حتّى مات بعد ثلاثة أشهر ؛ سنّة اللّه فيمن مسّ أحدا من الخلفاء بسوء ، فإنّ اللّه يقصمه عاجلا ، وما يدّخره له في الآخرة من العذاب أشدّ . * * * ثم إنّ اللّه انتقم من النّاصر في أولاده فسلّط عليهم الخلع والحبس والتّشريد في البلاد والقتل ، فجميع من تولّى الملك من ذريّته ؛ إمّا أن يخلع عاجلا ، وإمّا أن يقتل ؛ فأوّل ولد تولّى بعده ، عوجل بخلعه « 2 » ونفيه إلى قوص ، حيث كان سيّر الخليفة ، ثمّ قتل بها . وغالب من تولّى من ذريته لم تطل مدّته كما سيأتي . وقد أقام النّاصر في السلطنة نيّفا وأربعين سنة ، وتولّى من ذريّته اثنا عشر نفرا ، لم يتمّوا هذه المدّة ، بل عجّلوا واحدا في إثر واحد ، فما أشبّههم إلا بملوك الفرس حيث قال الكاهن لكسرى لمّا سقطت من إيوانه أربع عشرة شرفة ليلة ولد النبي صلى اللّه عليه وسلم : يملك منكم أربعة عشر ملكا ؛ ثمّ يذهب الملك منكم ، فقال كسرى : إلى أن يمضي أربعة عشر ملكا تكون أمور وأمور ! فانقرضوا في أقصر مدّة ، وكان آخرهم في زمن عثمان بن عفّان رضي اللّه عنه . ثمّ إنّ اللّه نزع الملك من ولد قلاوون ، وأعطاه بعض مماليكهم ، ولم يعد إليهم إلى وقتنا هذا ، وبعض ذرّيته أحياء إلى الآن في أسواء حال ، دينا ودنيا . ومن تأمّل بدائع صنع اللّه رأى العجب العجاب ؛ ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون ، وإنّما يتذكر أولو الألباب ! ولما حضر الناصر الوفاة ندم على ما فعل من مبايعة إبراهيم ، فأوصى الأمراء بردّ العهد إلى وليّ عهد المستكفي ، فلمّا تسلطن ولده أبو بكر المنصور « 3 » عقد مجلسا يوم
هامش
( 1 ) مات ليلة الخميس حادي عشر ذي الحجة سنة 741 ه . [ الخطط المقريزية : 2 / 239 ] . ( 2 ) خلع بعد تسعة وخمسين يوما سنة 742 . [ الخطط المقريزية : 2 / 239 ] . ( 3 ) تسلطن الملك المنصور سيف الدين أبو بكر سنة 741 ه . [ الخطط المقريزية : 2 / 239 ] .
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 82 | جلال الدين السيوطي / خليل المنصور