غنيمة الدّنيا إن ظفرنا بكم ، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا ، وإنّها لأحبّ الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منّا ؛ وإنّ اللّه تعالى قال لنا في كتابه :
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
[ البقرة : 249 ] ، وما منّا رجل إلا وهو يدعو ربّه صباحا ومساء أن يرزقه الشهادة ، وألّا يردّه إلى بلده ولا إلى أهله وولده ؛ وليس لأحد منّا همّ فيما خلّفه ، وقد استودع كلّ واحد منّا ربّه أهله وولده ؛ وإنّما همّنا ما أمامنا . وأمّا قولك : إنّا في ضيق وشدّة من معاشنا وحالنا ؛ فنحن في أوسع السّعة لو كانت الدنيا كلّها لنا ، ما أردنا لأنفسنا منها أكثر ممّا نحن فيه ، فانظر الذي تريد فبيّنه لنا ، فليس بيننا وبينكم خصلة نقبلها منكم ، ولا نجيبك إليها إلّا خصلة من ثلاث ، فاختر أيّها شئت ، ولا تطمع نفسك في الباطل ؛ بذلك أمرني الأمير ، وبها أمره أمير المؤمنين ؛ وهو عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من قبل إلينا . أمّا إن أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل اللّه غيره - وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته - أمرنا اللّه أن نقاتل من خالفه ورغب عنه حتّى يدخل فيه ، فإن فعل كان له ما لنا وعليه ما علينا ، وكان أخانا في دين اللّه ؛ فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك ، فقد سعدتم في الدنيا والآخرة ، ورجعنا عن قتالكم ، ولا نستحلّ أذاكم ، ولا التعرّض لكم ، وإن أبيتم إلا الجزية ، فأدّوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون ، نعاملكم على شيء نرضى به نحن وأنتم في كلّ عام أبدا ما بقينا وبقيتم ، ونقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم ، ونقوم بذلك عنكم ؛ إذ كنتم في ذمّتنا ، وكان لكم به عهد اللّه علينا ، وإن أبيتم فليس بيننا وبينكم إلّا المحاكمة بالسّيف حتّى نموت من آخرنا ، أو نصيب ما نريد منكم ؛ هذا ديننا الذي ندين اللّه به ، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره ، فانظروا لأنفسكم .
فقال له المقوقس : هذا ممّا لا يكون أبدا ، ما تريدون إلّا أن تأخذونا لكم عبيدا ما كانت الدنيا .
فقال له عبادة : هو ذاك ، فاختر ما شئت .
فقال له المقوقس : أفلا تجيبونا إلى خصلة غير هذه الخصال الثلاث ؟
فرفع عبادة يديه ، وقال : لا وربّ السماء وربّ هذه الأرض وربّ كلّ شيء ، ما لكم عندنا خصلة غيرها ، فاختاروا لأنفسكم .
فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه ، فقال : قد فرغ القول فما ترون ؟ فقالوا :
أو يرضى أحد بهذا الذلّ ؟ أمّا ما أرادوا من دخولنا في دينهم ؛ فهذا لا يكون أبدا ، ولا نترك دين المسيح ابن مريم وندخل في دين لا نعرفه ، وأمّا ما أرادوا من أن يسبونا ويجعلونا عبيدا أبدا ، فالموت أيسر من ذلك ؛ لو رضوا منّا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مرارا ، كان أهون علينا .