الشمّاس : وكم ترجو أن تصيب من تجارتك ؟ قال : رجائي أن أصيب ما أشتري به بعيرا ، فإنّي لا أملك إلا بعيرين ، فأملي أن أصيب بعيرا آخر ، فيكون لي ثلاثة أبعرة .
قال له الشمّاس : أرأيت دية أحدكم بينكم ، كم هي ؟ قال : مائة من الإبل ، فقال له الشمّاس : لسنا أصحاب إبل ، نحن أصحاب دنانير ، قال : تكون ألف دينار ، فقال له الشمّاس : إنّي رجل غريب في هذه البلاد ، وإنّما قدمت أصلّي في كنيسة بيت المقدس ، أسيح في هذه الجبال شهرا ، جعلت ذلك نذرا على نفسي ، وقد قضيت ذلك ، وأنا أريد الرجّوع إلى بلادي ، فهل لك أن تتبعني إلى بلادي ، ولك عهد اللّه وميثاقه أن أعطيك ديتين ؛ لأنّ اللّه تعالى قد أحياني بك مرّتين ؟ فقال له عمرو : أين بلادك ؟ قال : مصر ، في مدينة يقال لها الإسكندريّة ، فقال له عمرو : لا أعرفها ولم أدخلها قطّ ، فقال له الشمّاس : لو دخلتها لعلمت أنّك لم تدخل قطّ مثلها ، فقال له عمرو : تفي لي بما تقول ، وعليك بذلك العهد والميثاق ؟ فقال الشمّاس : نعم لك اللّه عليّ بالعهد والميثاق أن أفي لك ، وأن أردّك إلى أصحابك ، فقال عمرو : كم يكون مكثي في ذلك ؟ قال :
شهرا ، تنطلق معي ذاهبا عشرا ، وتقيم عندنا عشرا ، وترجع في عشر ؛ ولك عليّ أن أحفظك ذاهبا ، وأن أبعث معك من يحفظك راجعا . فقال له أنظرني حتّى أشاور أصحابي . فانطلق عمرو إلى أصحابه ، فأخبرهم بما عاهد عليه الشمّاس ، وقال لهم :
أقيموا حتّى أرجع إليكم ، ولكم عليّ العهد أن أعطيكم شطر ذلك ، على أن يصحبني رجل منكم آنس به ، فقالوا : نعم ، وبعثوا معه رجلا منهم ، فانطلق عمرو وصاحبه مع الشمّاس إلى مصر ؛ حتّى انتهى إلى الإسكندريّة ، فرأى عمرو من عمارتها وكثرة أهلها وما بها من الأموال والخير ما أعجبه ذلك ، وقال : ما رأيت مثل مصر قطّ وكثرة ما فيها من الأموال ، ونظر إلى الإسكندريّة وعمارتها وجودة بنائها وكثرة أهلها وما بها من الأموال ، فازداد تعجّبا ووافق دخول عمرو الإسكندريّة عيدا فيها عظيما يجتمع فيها ملوكهم وأشرافهم ، ولم أكرة من ذهب مكلّلة ، يترامى بها ملوكهم ، وهم يتلقّونها بأكمامهم ؛ وفيما اختيروا من تلك الأكرة على ما وضعها من مضى منهم : أنّ من وقعت الأكرة في كمّه ، واستقرّت فيه ، لم يمت حتّى يملكهم . فلمّا قدم عمرو الإسكندريّة أكرمه الشمّاس الإكرام كلّه ، وكساه ثوب ديباج ألبسه إيّاه ، وجلس عمرو والشمّاس مع الناس في ذلك المجلس ، حيث يترامون بالأكرة ، وهم يتلقّونها بأكمامهم ، فرمى بها رجل منهم ، فأقبلت تهوي حتى وقعت في كمّ عمرو ؛ فتعجّبوا من ذلك ، وقالوا : ما كذّبتنا هذه الأكرة قطّ إلّا هذه المرّة ، أترى هذا الأعرابيّ يملكنا ؟ ! هذا لا يكون أبدا !
وإنّ ذلك الشمّاس مشى في أهل الإسكندريّة وأعلمهم أنّ عمرا أحياه مرّتين ، وأنّه قد ضمن له ألفي دينار ، وسألهم أن يجمعوا ذلك له فيما بينهم ؛ ففعلوا ودفعوها إلى عمرو ،
حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة — صفحة 81
مساهمون: جلال الدين السيوطي
ص٨١