وقد عنيت في أحد تآليفى السابقة ، بوصف خطط بغداد « 1 » وغاية ما نتوخاه الآن هو أن نلخص أهم الاخبار عن هذه المدينة اظهارا لمنزلة العاصمة العباسية بين مدن العراق وايضاحا لنظام الطرق ( وقد نوهنا به في الفصل الأول ) الذي كانت بغداد مركزه .
فأول الأنهار الكبيرة التي كانت تحمل من الفرات إلى دجلة ، نهر عيسى « 2 » .
وفي نحو سنة 145 ( 762 ) ابتنى المنصور فوق مصب نهر عيسى في دجلة المدينة المدورة وهي نواة مدينة بغداد . وكان للمدينة المدورة أربعة أبواب متساوية الابعاد بعضها عن بعض ، بين الباب والباب ميل عربى . ويخرج من كل باب طريق . ثم نشأت مع الأيام أرباض واسعة على هذه الطرق الأربعة . ولم يمض وقت طويل عليها حتى اندمجت في نطاق المدينة وقام منها مدينة بغداد الكبرى .
وكانت أبواب المدينة المدورة الأربعة :
( 1 ) باب البصرة في الجنوب الشرقي ، وهو يفضى إلى الارباض الممتدة على ضفة دجلة حيث تصب فروع نهر عيسى المختلفة .
( 2 ) باب الكوفة في الجنوب الغربى من بغداد ، ويخرج منه طريق إلى الجنوب وهو طريق الحج إلى مكة .
( 3 ) باب الشام في الشمال الغربى ، حيث يتفرع الطريق يسارا إلى الأنبار على الفرات ويمينا إلى المدن الواقعة على ضفة دجلة الغربية شمال بغداد .
( 4 ) باب خراسان المؤدى إلى الجسر الكبير لمن أراد عبور النهر . وهذا الجسر كان يفضى إلى بغداد الشرقية ، وهي التي عرفت بعسكر المهدى أولا ، والمهدى هو ابن المنصور وخليفته . وقد بنى المهدى هاهنا قصره ، وأنشأ أيضا المسجد الجامع في بغداد الشرقية .
هامش
( 1 ) أنظر ( بغداد في عهد الخلافة العباسية ) اكسفورد 1900 . وينبغي ان يلاحظ ان عدد كور العراق ومدنه وقراه التي انتهت الينا اخبارها كبير جدا ، ونحتاج إلى مجلد لذكر كل ما عرف عن هذا الإقليم الذي كان قلب الدولة العباسية . والخارطة التي وضعتها لابن سرابيونJRAS , 1895 , p . 32 .تبين جميع المواضع التي على النهر والترع . الا ان هذه الخارطة لم تستوعبها جميعا . وللتوسع ينبغي للقارئ ان يرجع إلى كتاب البروفسور م . شترك الموسوم :Die Alte Landschaft( 1901 ،Babylonien ( Leydenفالمجال يضيق عن ذكرها كلها في هذا الفصل .
( 2 ) اطلق العرب لفظة « نهر » على ما كان نهرا طبيعيا أو صناعيا . و « عيسى » اسم الأمير العباسي الذي شق هذا النهر .