وينصحه ؟ فحلفوا كلّهم أنهم برآء مما كان فيه ، وأنهم نصحوه فلم يقبل ، وقالوا له :
يا سيّدنا ، نحن تقلّدنا نعمته ، وقاتلنا عنه حتى قضى اللّه فيه ، وما خنّاه . وإن أنت قبلتنا نقاتل عنك كذلك ، ولو خنّاه وخدمناك نخونك أيضا . فعرف صحة قولهم وقال :
قد عفوت عنكم ، فمن أراد أن يكون معي منكم فهو على رتبته ومقامه ، ومن أبى يلق خيرا . ثم أمر بدفن الخليفة في ذاك المحل ، وأبى يدفنه « 1 » في مقبرة الملوك « 2 » ، وقال :
هذا عاقّ لا يدفن في مقابرنا . فدفن هناك .
وأقام السلطان بقية نهاره وليلته ، وأصبح قافلا إلى الفاشر ، محفوفا بالنصر ، مستبشرا بذهاب العسر « 3 » ، كأنّ أبا الطيّب رآه على تلك الحال ، حين أنشد وقال ، من الكامل :
سر حيث شئت تحلّه الأنوار « 4 » * وأراد فيك مرادك « 5 » الأقدار
وإذا ارتحلت فرافقتك « 6 » سلامة * حيث اتّجهت وديمة « 7 » مدرار « 8 »
[ وأراك دهرك ما تحاول في العدى * حتى كأنّ صروفه أنصار ] « 9 »
هامش
( 1 ) كذا ، وهو تعبير عامي .
( 2 ) تقضى التقاليد في سلطنة دارفور أن يدفن السلطان المتوفى في مقابر السلاطين بترّة إذا مات ميتة طبيعية . أما إذا مات قتيلا فإنه يدفن في المكان الذي قتل فيه . وقد سمعنا هذا عن الأمير سليمان ابن السلطان على دينار بمدينة الفاشر بدارفور .
( 3 ) في الأصل : عسر .
( 4 ) في رواية أخرى : « سر حلّ حيث تحلّه الأنوار »
( 5 ) في الأصل : مراده .
( 6 ) في الأصل : فشيعتك .
( 7 ) الديمة : المطر الذي ليس فيه رعد ولا برق .
( 8 ) المدرار : الدائم الدر .
( 9 ) الزيادة عن الديوان .