تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨

شهر ذي القعدة عرفنا اللّه يمنه وبركته

استهل هلاله ليلة الاثنين الرابع من شهر فبرير ونحن بمدينة أطرابنش ، المتقدم ذكرها ، منتظرين انسلاخ فصل الشتاء وإقلاع المركب الجنوي الذي أملنا ركوبه إلى الأندلس ، إن شاء اللّه عزّ وجل ، واللّه سبحانه ييمن مقصدنا وييسر مرامنا بمنّه وكرمه . وفي مدة مقامنا بهذه البلدة تعرفنا ما يؤلم النفوس تعرفه من سوء حال أهل هذه الجزيرة مع عباد الصليب بها ، دمرهم اللّه ، وما هم عليه معهم من الذل والمسكنة ، والمقام تحت عهدة الذمة ، وغلظة الملك ، إلى طوارئ دواعي الفتنة في الدين على من كتب اللّه عليه الشقاء من أبنائهم ونسائهم . وربما تسبب إلى بعض أشياخهم أسباب نكالية تدعوه إلى فراق دينه ، فمنها قصة اتفقت في هذه السنين القريبة لبعض فقهاء مدينتهم التي هي حضرة ملكهم الطاغية ، ويعرف بابن زرعة ، ضغطته العمال بالمطالبة ، حتى أظهر فراق دين الإسلام والانغماس في دين النصرانية ، ومهر في حفظ الإنجيل ومطالعة سير الروم وحفظ قوانين شريعتهم ، فعاد في جملة القسيسين الذين يستفتون في الأحكام النصرانية . وربما طرأ حكم إسلامي فيستفتى أيضا فيه لما سبق من معرفته بالأحكام الشرعية ، ويقع الوقوف عند فتياه في كلا الحكمين . وكان له مسجد بإزاء داره أعاده كنيسة ، نعوذ باللّه من عواقب الشقاوة وخواتم الضلالة . ومع ذلك ، فأعلمنا أنه يكتم إيمانه . فلعله داخل تحت الاستثناء ، في قوله تعالى :
إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ ، مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ
« 1 » ووصل هذه الأيام إلى هذه البلدة زعيم أهل هذه الجزيرة من المسلمين وسيدهم القائد أبو القاسم بن حمود ، المعروف بابن الحجر . وهذا الرجل من أهل بيت بهذه الجزيرة توارثوا السيادة كابرا عن كابر . وقرر لدينا مع ذلك أنه من أهل العمل الصالح ، مريد للخير ، محب في أهله ، كثير الصنائع الأخروية من افتكاك الأسارى
هامش
( 1 ) سورة النحل : الآية 106 .