تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
أحسن المراسي وأوفقها للمراكب . ولذلك يقصد الروم كثيرا إليها ولا سيما المقلعون إلى بر العدوة ، فإن بينها وبين تونس مسيرة يوم وليلة ، فالسفر منها إليها لا يتعطل شتاء ولا صيفا إلا ريثما تهب الريح الموافقة ، فمجراها في ذلك مجرى المجاز القريب . وبهذه المدينة السوق والحمام وجميع ما يحتاج إليه من مرافق المدن ، لكنها في لهوات « 1 » البحر لإحاطته بها من ثلاث جهات ، واتصال البر بها من جهة واحدة ضيقة ، والبحر فاغر فاه لها من سائر الجهات ، فأهلها يرون أنه لا بد له من الاستيلاء عليها وإن تراخى مدى أيامها ، ولا يعلم الغيب إلا اللّه تعالى . وهي مرفقة موافقة لرخاء السعر بها لأنها على محرث عظيم ، وسكانها المسلمون والنصارى ، ولكلا الفريقين فيها المساجد والكنائس . وبركنها من جهة الشرق ، مائلا إلى الشمال على مقربة منها ، جبل عظيم مفرط السمو متسع ، في أعلاه قنة تنقطع عنه ، وفيها معقل للروم . وبينه وبين الجبل قنطرة ، ويتصل به في الجبل للروم بلد كبير ، ويقال إن حريمه من أحسن حريم هذه الجزيرة ، جعلها اللّه سببا للمسلمين . وبهذا الجبل الكروم والمزارع . وأعلمنا أن به نحو أربعمائة عين متفجرة ، وهو يعرف بجبل حامد . والصعود إليه هين من إحدى جهاته ، وهم يرون أن منه يكون فتح هذه الجزيرة ، إن شاء اللّه . ولا سبيل أن يتركوا مسلما يصعد إليه ، ولذلك أعدوا فيه ذلك المعقل الحصين ، فلو أحسوا بحادثة حصلوا حريمهم فيه وقطعوا القنطرة . واعترض بينهم وبين الذي في أعلاه متصل به خندق كبير . وشأن هذا البلد العجيب ، فمن العجب أن يكون فيه من العيون المتفجرة ما تقدم ذكره ، وأطرابنش في هذا البسيط ولا ماء لها إلا من بئر على البعد منها ، وفي ديارها آبار قصيرة الأرشية ، ماؤها كلها شريب لا يساغ . وألفينا المركبين الذين يرومان الإقلاع إلى المغرب بها ، ونحن ، إن شاء اللّه ، نؤمل ركوب أحدهما ، وهو القاصد إلى بر الأندلس ، واللّه بمعهود صنعه الجميل كفيل بمنه . وفي غربي هذه البلدة ، أطرابنش المذكورة ، ثلاث جزائر في البحر على نحو فرسخين منها ، وهي صغار متجاورة : إحداها تعرف بمليطمة ، والأخرى بيابسة ، والثالثة تعرف
هامش
( 1 ) لهوات ( جمع لهاة ) : لسان المزمار في الحلق ، والتشبيه واضح .