تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
صلى اللّه عليه وسلم . والمهبط لهذه العين على أدراج وطية ، وعليها مسجد بقي محرابه على حاله ، ووضع الإفرنج في شرقيه محرابا لهم . فالمسلم والكافر يجتمعان فيه ، يستقبل هذا مصلاه وهذا مصلاه . وهو بأيدي النصارى معظم محفوظ ، وأبقى اللّه فيه موضع الصلاة للمسلمين . فكان مقامنا بها يومين ، ثم توجهنا إلى صور يوم الخميس الثاني عشر لجمادى المذكور ، والموفي عشرين لشتنبر المذكور على البر ، واجتزنا في طريقنا على حصن كبير يعرف بالزاب ، وهي مطلة على قرى وعمائر متصلة وعلى قرية مسورة تعرف باسكندرونة ، وذلك لمطالعة مركب بها أعلمنا أنه يتوجه إلى بجاية طمعا في الركوب فيه ، فحللناها عشي يوم الخميس المذكور ، لأن المسافة بين المدينتين نحو الثلاثين ميلا ، فنزلنا بها في خان معد لنزول المسلمين .

ذكر مدينة صور دمرها اللّه تعالى وأعادها

مدينة يضرب بها المثل في الحصانة ، لا تلقى لطالبها بيد طاعة ولا استكانة . قد أعدّها الإفرنج مفزعا لحادثة زمانهم ، وجعلوها مثابة لأمانهم . هي أنظف من عكة سككا وشوارع ، وأهلها ألين في الكفر طبائع ، وأجرى إلى برّ غرباء المسلمين شمائل ومنازع . فخلائقهم أسجح « 1 » ، ومنازلهم أوسع وأفسح . وأحوال المسلمين بها أهون وأسكن ، وعكة أكبر وأطغى وأكفر . وأما حصانتها ومناعتها فأعجب ما يحدث به ، وذلك أنها راجعة إلى بابين : أحدهما في البر ، والآخر في البحر وهو يحيط بها إلا من جهة واحدة . فالذي في البر يفضى إليه بعد ولوج ثلاثة أبواب أو أربعة ، كلها في ستائر مشيدة محيطة بالباب . وأما الذي في البحر فهو مدخل بين برجين مشيدين إلى ميناء ليس في البلاد البحرية أعجب وضعا منها ، يحيط بها سور المدينة من ثلاثة جوانب ويحدق بها من الجانب الآخر معقود
هامش
( 1 ) أسجح : أسهل وألطف .