تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
وحضره أحد مماليكه المتميزين لديه بالخطة والأثرة مستعديا على جمال ذكر أنه باعه جملا معيبا أو صرف عليه جملا بعيب لم يكن فيه ، فقال السلطان له : ما عسى أن أصنع لك ، وللمسلمين قاض يحكم بينهم ، والحق الشرعي مبسوط للخاصة والعامة ، وأوامره ونواهيه ممتثلة ، وإنما أنا عبد الشرع وشحنته ، والشحنة عندهم صاحب الشرطة ، فالحق يقضي لك أو عليك . وهذا في العقد مقصد عمري . وهذه كلمات كفى بها لهذا السلطان فخرا ، واللّه يمتع ببقائه الإسلام والمسلمين بمنّه .

شهر جمادى الآخرة عرفنا اللّه بركته

استهل هلاله ليلة الأحد التاسع من شهر شتنبر العجمي ونحن بدمشق ، حرسها اللّه ، على قدم الرحلة إلى عكة ، فتحها اللّه ، والتماس ركوب البحر مع تجار النصارى وفي مراكبهم المعدة لسفر الخريف المعروف عندهم بالصليبية ، عرفنا اللّه في ذلك معهود خيرته ، وتكفلنا بكلاءته وعصمته ، بعزته وقدرته ، إنه سبحانه الحنان المنان ، ولي الطول والإحسان ، لا رب غيره . وكان انفصالنا منها عشي يوم الخميس الخامس من الشهر المذكور ، وهو الثالث عشر من شهر شتنبر المذكور ، في قافلة كبيرة من التجار المسافرين بالسلع إلى عكة . ومن أعجب ما يحدث به في الدنيا أن قوافل المسلمين تخرج إلى بلاد الإفرنج وسبيهم يدخل بلاد المسلمين . شاهدنا من ذلك عند خروجنا أمرا عجيبا . وذلك أن صلاح الدين عند منازلته حصن الكرك ، المتقدم الذكر في هذا التاريخ ، قصد إليه الإفرنج في جميعهم ، وقد تألبوا من كل أوب ، وراموا أن يسبقوه إلى موضع الماء ، ويقطعوا عنه الميرة من بلاد المسلمين . فصمد لهم وأقلع عن الحصن بجملته وسبقهم إلى موضع الماء . فحادوا عن طريقه وسلكوا طريقا وعرا ذهب فيه أكثر دوابهم ، وتوجهوا إلى حصن الكرك المذكور ، وقد سد عليهم بنيات الطرق القاصدة بلادهم ولم يبق لهم إلا طريق عن الحصن يأخذ على الصحراء ويبعد مداه عليهم بتحليق