تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
اللّه ، عزّ وجل ، والمنتمين للطلب . فالشأن بهذه البلدة لهم عجيب جدا . وهذه البلاد المشرقية كلها على هذا الرسم ، لكن الاحتفال بهذه البلدة أكثر والاتساع أوجد . فمن شاء الفلاح من نشأة مغربنا فليرحل إلى هذه البلاد ويتغرب في طلب العلم فيجد الأمور المعينات كثيرة ، فأولها فراغ البال من أمر المعيشة ، وهو أكبر الأعوان وأهمها . فإذا كانت الهمة فقد وجد السبيل إلى الاجتهاد ، ولا عذر للمقصر إلا من يدين بالعجز والتسويف ، فذلك من لا يتوجه هذا الخطاب عليه ، وإنما المخاطب كل ذي همة يحول طلب المعيشة بينه وبين مقصده في وطنه من الطلب العلمي . فهذا المشرق بابه مفتوح لذلك ، فادخل أيها المجتهد بسلام ، وتغنم الفراغ والانفراد قبل علق الأهل والأولاد ، وتقرع سن الندم على زمن التضييع ، واللّه يوفق ويرشد ، لا إله سواه . قد نصحت أن ألفيت سامعا ، وناديت أن أسمعت مجيبا ، [ ومن يهد اللّه فهو المهتد ] « 1 » ، جلت قدرته ، وتعالى جده . ولو لم يكن بهذه الجهات المشرقية كلها إلا مبادرة أهلها لإكرام الغرباء وإيثار الفقراء ، ولا سيما أهل باديتها ، فإنك تجد من بدار إلى بر الضيف عجبا ، كفى بذلك شرفا لها . وربما يعرض أحدهم كسرته على فقير فيتوقف عن قبولها ، فيبكي الرجل ويقول : لو علم اللّه فيّ خيرا لأكل الفقير طعامي ، لهم في ذلك سرّ شريف . ومن عظيم أمرهم تعظيمهم للحاج ، على قرب مسافة الحج منهم ، وتيسير ذلك لهم ، واستطاعتهم لسبيله . فهم يتمسحون بهم عند صدورهم ، ويتهافتون عليهم تبركا بهم . ومن أغرب ما حدثناه من ذلك : أن الحاج الدمشقي مع من انضاف إليهم من المغاربة عند صدورهم إلى دمشق في هذا العام ، الذي هو عام ثمانين ، خرج الناس لتلقيهم : الجمّ الغفير نساء ورجالا ، يصافحونهم ويتمسحون بهم ، وأخرجوا الدراهم لفقرائهم يتلقونهم بها ، وأخرجوا إليهم الأطعمة . فأخبرني من أبصر كثيرا من النساء يتلقين الحاج ويناولنهم الخبز ، فإذا عض الحاج فيه اختطفنه من أيديهم وتبادرن لأكله تبركا بأكل الحاج له ودفعن له عوضا منه دراهم ، غير ذلك من الأمور العجيبة ضد ما اعتدنا في المغرب في ذلك ، وصنع بنا في بغداد عند تلقي الحاج بها ، مثل ذلك أو قريب منه . ولو شئنا استقصاء هذه الأمور لخرجت بنا عن مقصد التقييد ، وإنما وقع الإلماع
هامش
( 1 ) الإسراء : 97 .