تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
كالقصر المشيد ، ويصعد إليها على أدراج . والمأوى المبارك منها مغارة صغيرة في وسطها ، وهي كالبيت الصغير . وبإزائها بيت يقال : إنه مصلى الخضر ، صلى اللّه عليه وسلم ، فيبادر الناس للصلاة بهذين الموضعين المباركين ، ولا سيما المأوى المبارك ، وله باب حديد صغير ينغلق دونه . والمسجد يطيف بها ، ولها شوارع دائرة ، وفيها سقاية لم ير أحسن منها ، قد سيق إليها الماء من علو ، وماؤها ينصب على شاذروان في الجدار متصل بحوض من رخام ، يقع الماء فيه ، لم ير أحسن من منظره . وخلف ذلك مطاهر يجري الماء في كل بيت منها ، ويستدير بالجانب المتصل بجدار الشاذروان . وهذه الربوة المباركة رأس بساتين البلد ومقسم مائه ، ينقسم فيها الماء على سبعة أنهار ، يأخذ كل نهر طريقه ، وأكبر هذه الأنهار نهر يعرف بثورا ، وهو يشق تحت الربوة ، وقد نقر له في الحجر الصلد أسفلها حتى انفتح له متسرب واسع كالغار ، وربما انغمس الجسور من سباح الصبيان أو الرجال من أعلى الربوة في النهر واندفع تحت الماء حتى يشق متسر به تحت الربوة ويخرج أسفلها ، وهي مخاطرة كبيرة . ويشرف من هذه الربوة على جميع البساتين الغربية من البلد ، ولا إشراف كإشرافها حسنا وجمالا واتساع مسرح للأبصار . وتحتها تلك الأنهار السبعة تتسرب وتسيح في طرق شتى ، فتحار الأبصار في حسن اجتماعها وافتراقها واندفاع انصبابها . وشرف موضوع هذه الربوة ومجموع حسنها أعظم من أن يحيط به وصف واصف في غلو مدحه . وشأنها في موضوعات الدنيا الشريفة خطير كبير . ويتصل بها أسفل منها ، بمقربة من المسافة ، قرية كبيرة تعرف بالنيرب ، قد غطتها البساتين ، فلا يظهر منها إلا ما سما بناؤه . وبها جامع لم ير أحسن منه ، مفروش سطحه كله بفصوص الرخام الملون ، فيخيل لناظره أنه ديباج مبسوط . وفيه سقاية ماء رائقة الحسن ، ومطهرة لها عشرة أبواب ، يجري الماء فيها ويطيف بها . وفوقها لجهة القبلة قرية كبيرة ، هي من أحسن القرى ، تعرف بالمزة ، وبها جامع كبير وسقاية معينة ، وبقرية النيرب حمام ، وأكثر قرى هذه البلدة فيها الحمّامات . وفي الجهة الشرقية من البلد ، عن يمين الطريق إلى مولد إبراهيم ، عليه السلام ، قرية تعرف ببيت لاهية ، يريدون الآلهة . وكانت فيها كنيسة هي الآن مسجد مبارك ، وكان
رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 216 | ابن جبير