تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
منها الخراب . كانت من مدن الروم العتيقة ، ولهم فيها من البناء آثار تدل على عظم اعتنائهم بها . ولها قلعة حصينة في جوفيها تنقطع عنها وتنحاز منها . ومدن هذه الجهات كلها لا تخلو من القلاع السلطانية وأهلها أهل فضل وخير ، سنيون شافعيون ، وهي مطهرة بهم من أهل المذاهب المنحرفة ، والعقائد الفاسدة ، كما تجده في الأكثر من هذه البلاد . فمعاملاتهم صحيحة ، وأحوالهم مستقيمة ، وجادتهم الواضحة في دينهم من اعتراض بنيات الطريق سليمة . فكان نزولنا خارجها ، في أحد بساتينها ، وأقمنا يوما مريحين ثم رحلنا نصف الليل ، ووصلنا بزاعة ضحوة يوم السبت الثاني عشر لربيع المذكور .

ذكر بلدة بزاعة كلأها اللّه عز وجل

بقعة طيبة الثرى ، واسعة الذرى ، تصغر عن المدن وتكبر عن القرى ، بها سوق تجمع بين المرافق السفرية ، والمتاجر الحضرية . وفي أعلاها قلعة كبيرة حصينة ، رامها أحد ملوك الزمن فغاظته باستصعابها ، فأمر بثلم بنائها ، حتى غادرها عورة منبوذة بعرائها . ولهذه البلدة عين معينة يخترق ماؤها بسيط بطحاء ترف بساتينها خضرة ونضارة ، وتريك برونقها الأنيق حسن الحضارة . ويناظرها في جانب البطحاء قرية كبيرة تعرف بالباب ، هي باب بين بزاعة وحلب ، وكان يعمرها منذ ثماني سنين قوم من الملاحدة الإسماعيلية لا يحصي عددهم إلا اللّه ، فطار شرارهم ، وقطع هذه السبيل فسادهم وأضرارهم ، حتى داخلت أهل هذه البلاد العصبية ، وحرّكتهم الأنفة والحمية ، فتجمعوا من كل أوب عليهم ، ووضعوا السيوف فيهم ، فاستأصلوهم عن آخرهم ، وعجلوا بقطع دابرهم ، وكومت بهذه البطحاء جماجمهم ، وكفى اللّه المسلمين عاديتهم وشرهم ، وأحاق بهم مكرهم ، والحمد للّه رب العالمين . وسكانها اليوم قوم سنيون ، فأقمنا بها يوم السبت ببطحاء هذه البلدة مريحين ، ورحلنا منها في الليل وأسرينا إلى الصباح ، ووصلنا مدينة حلب ضحوة يوم الأحد الثالث عشر لربيع الأول ، والرابع والعشرين ليونيه .