شهر ربيع الأول من سنة ثمانين عرفنا اللّه بركته
استهل هلاله ليلة الثلاثاء ، بموافقة الثاني عشر من يونيه ، ونحن بالقرية المذكورة ، فرحلنا منها سحر يوم الثلاثاء المذكور ووصلنا نصيبين قبل الظهر من اليوم المذكور .
ذكر مدينة نصيبين حرسها اللّه
شهيرة العتاقة والقدم ، ظاهرها شباب ، وباطنها هرم ، جميلة المنظر ، متوسطة بين الكبر والصغر ، يمتد أمامها وخلفها بسيط أخضر مد البصر ، قد أجرى اللّه فيه مذانب من الماء تسقيه ، وتطّرد في نواحيه ، وتحف بها عن يمين وشمال بساتين ملتفة الأشجار ، يانعة الثمار ، ينساب بين يديها نهر قد انعطف عليها انعطاف السوار ، والحدائق تنتظم بحافتيه ، وتفيء ظلالها الوارفة عليه ، فرحم اللّه أبا نواس الحسن بن هانئ حيث يقول :
طابت نصيبين لي يوما فطبت * لها يا ليت حظي من الدنيا نصيبين « 1 »
فخارجها رياضي الشمائل ، أندلسي الخمائل ، يرف غضارة ونضارة ، ويتألق عليه رونق الحضارة ، وداخلها شعث البادية باد عليه ، فلا مطمح للبصر إليه ، لا تجد العين فيه فسحة مجال ، ولا مسحة جمال . وهذا النهر ينسرب إليها من عين معينة منبعها بجبل قريب منها ، تنقسم منها مذانب تخترق بسائطها وعمائرها ويتخلل البلد منها جزء ، فيتفرق على شوارعها ويلج في بعض ديارها ، ويصل إلى جامعها المكرم منه سرب يخترق صحنه ، وينصب في صهريجين :
أحدهما وسط الصحن ، والآخر عند الباب الشرقي منه ، ويفضي إلى سقايتين حول الجامع .
وعلى النهر المذكور جسر معقود من صم الحجارة ، يتصل بباب المدينة القبلي . وفيها
هامش
( 1 ) لم أعثر في الموسوعة الشعرية على هذا البيت ، ولكن ابن جبير وابن بطوطة والحميري في الروض المعطار يذكرون أنه لأبي نواس .