تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
ثم شاهدنا صبيحة يوم السبت بعده مجلس الشيخ الفقيه ، الإمام الأوحد ، جمال الدين أبي الفضائل بن علي الجوزي ، بإزاء داره على الشط بالجانب الشرقي وفي آخره على اتصال من قصور الخليفة وبمقربة من باب البصلية آخر أبواب الجانب الشرقي ، وهو يجلس به كل يوم سبت ، فشاهدنا مجلس رجل ليس من عمرو ولا زيد ، وفي جوف الفرا كل الصيد ، آية الزمان ، وقرة عين الإيمان ، رئيس الحنبلية ، والمخصوص في العلوم بالرتب العلية ، إمام الجماعة ، وفارس حلبة هذه الصناعة ، والمشهود له بالسبق الكريم في البلاغة والبراعة ، ومالك أزمة الكلام في النظم والنثر ، والغائص في بحر فكره على نفائس الدّر . فأما نظمه فرضي الطباع ، مهياري الانطباع ، وأما نثره فيصدع بسحر البيان ، ويعطل المثل بقسّ وسحبان . ومن أبهر آياته ، وأكبر معجزاته ، أنه يصعد المنبر ويبتدئ القرّاء بالقرآن ، وعددهم نيف على العشرين قارئا ، فينتزع الاثنان منهم أو الثلاثة آية من القراءة يتلونها على نسق بتطريب وتشويق ، فإذا فرغوا تلت طائفة أخرى على عددهم آية ثانية ، ولا يزالون يتناوبون آيات من سور مختلفات إلى أن يتكاملوا قراءة ، وقد أتو بآيات مشتبهات ، لا يكاد المتقد الخاطر يحصلها عددا أو يسميها نسقا . فإذا فرغوا أخذ هذا الإمام الغريب الشأن في إيراد خطبته ، عجلا مبتدرا ، وأفرغ في أصداف الأسماع من ألفاظه دررا ، وانتظم أوائل الآيات المقروءات في أثناء خطبته فقرا ، وأتى بها على نسق القراءة لها ، لا مقدما ولا مؤخرا . ثم أكمل الخطبة على قافية آخر آية منها . فلو أن أبدع من في مجلسه تكلف تسمية ما قرأ القراء ، آية آية على الترتيب ، لعجز عن ذلك ، فكيف بمن ينتظمها مرتجلا ، ويورد الخطبة الغراء بها عجلا !
أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ
« 1 » وإن هذا لهو الفضل المبين ، فحدث ولا حرج عن البحر ، وهيهات ليس الخبر عنه كالخبر ! ثم إنه أتى بعد أن فرغ من خطبته برقائق من الوعظ وآيات بينات من الذكر ، طارت لها القلوب اشتياقا ، وذابت بها الأنفس احتراقا ، إلى أن علا الضجيج ، وتردد بشهقاته النشيج ، وأعلن التائبون بالصياح ، وتساقطوا عليه تساقط الفراش على المصباح ، كل يلقي ناصيته بيده فيجزها ، ويمسح على رأسه داعيا له . ومنهم من يغشى
هامش
( 1 ) سورة الطور - الآية : 15 .