تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة ابن جبير ( تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار ) ( دار السويدي ) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
ومستنقعات وبرك ، وتبايع العرب فيها مع الحاج فما أخرجوه من لحم وسمن ولبن ، ووقع الناس على قرم وعيمة « 1 » ، فبادروا الابتياع لذلك بشقق الخام التي يستصحبونها لمشاراة الأعراب لأنهم لا يبايعونهم إلا بها . وفي ضحوة يوم السبت بعده نزلنا بالجبل المخروق ، وهو جبل في بيداء من الأرض ، وفي صفحه الأعلى ثقب نافذ تخترقه الرياح . ثم رحنا من ذلك الموضع وبتنا بوادي الكروش على غير ماء ، ثم أرينا منه وأصبحنا على فيد يوم الأحد ، وهي حصن كبير مبرج مشرف في بسيط من الأرض ، يمتد حوله ربض يطيف به سور عتيق البنيان . وهو معمور بسكان من الأعراب ، ينتعشون مع الحاج في التجارات والمبايعات وغير ذلك من المرافق . وهناك يترك الحاج بعض زادهم ، إعدادا للإرمال من الزاد عند انصرافهم ، ولهم بها معارف يتركون أزودتهم عندهم . وهذا نصف الطريق من بغداد إلى مكة على المدينة ، شرفها اللّه ، أو أقل يسيرا ، ومنها إلى الكوفة اثنا عشر يوما في طريق سهلة طيبة ، والمياه فيها بحمد اللّه موجودة في مصانع كثيرة . ودخل أمير الحاج هذا الموضع المذكور على تعبئة وأهبة ، إرهابا للمجتمعين به من الأعراب لئلا يداخلهم الطمع في الحاج ، فهم يلحظونهم مستشرفين مكانهم لكنهم لا يجدون إليهم سبيلا ، والحمد للّه . والماء بهذا الموضع كثير في آبار تمدها عيون تحت الأرض ، ووجد الحاج فيها مصنعا قد اجتمع فيه الماء من المطر ، فانتزف للحين ، وامتلأت أيدي الحاج القرمين من أغنام العرب بالمبايعة المذكورة ، فلم يبق مضرب ولا خيمة ولا ظلالة إلا وجانبها كبش أو كبشان ، بحسب القدرة والوجد . فعم جميع المحلة غنم العرب . وكان ذلك اليوم عيدا من الأعياد ، وكذلك عمتهم أيضا جمالهم لمن أرد الابتياع منهم من الجمّالين وسواهم للاستظهار على الطريق . وأما السمن والعسل واللبن فلم يبق إلا من تحمل أو استعمل منها بقدر حاجته . وأقام الناس يومهم ذلك مريحين بها ظهر يوم الاثنين بعده ، ثم أسروا نصف الليل ترتيب سيرهم المذكور قبل ، ونزلوا ضحوة يوم الثلاثاء الثامن عشر لمحرم ، وهو أول يوم من مايه ، بموضع يعرف بالأجفر ، وهو مشتهر عندهم بموضع جميل وبثينة
هامش
( 1 ) القرم : شدة اشتهاء اللحم . والعيمة : شدة اشتهاء اللبن .