الفصل الثاني منهج يوحنا النقيوسى في الكتابة التاريخية
علمنا مما سبق أن يوحنا النقيوسى كان أحد رجال الدين المسيحيين في مصر في القرن السابع الميلادي ومستهل القرن الثامن الميلادي ، الأمر الذي أضاء السبيل للتعرف على السمات الرئيسية في منهجه من تدوين التاريخ ، فمما لا شك فيه أنه تأثر بالتيارات الجارية في عصره ، من حيث تأثير الفكر المسيحي في كتابة التاريخ من جهة ، وتقاليد الكتابة التاريخية آنذاك من جهة أخرى . إذ كان من نتائج انتصار المسيحية على الوثنية أن جاءت المسيحية بتغيرات في مفاهيم الكتابة التاريخية وفي الأفكار التي تنير السبيل إلى هذه الكتابة ، حيث رفضت المسيحية الثقافة الوثنية ، إذ اعتبرتها من نتاج الشيطان ، كما اعتبرت الكتابات التاريخية للوثنيين في درجة أقل احتراما من كتابات اليهود في العهد القديم ، وصارت العملية التاريخية بالنسبة للمؤرخين المسيحيين الأول جزءا من عملية كونية المشتركون الرئيسيون فيها هما الله والإنسان ، فهي بالنسبة لهم ملحمة سماوية تمتد منذ الخليقة حتى الانفصال النهائي بين الخير والشر يوم القيامة . وقد اعتبر هؤلاء العملية التاريخية بمثابة المظهر العملي للصراع الكوني بين قوات الخير متمثلة في جماعة المؤمنين المختارين من رب العبريين والمسيحيين ، وقوات الشر متمثلة في الوثنيين السابقين والمعاصرين ، والنتيجة النهائية هي الانتصار العظيم لقوات الخير والهزيمة الكاملة لقوات الشر « 1 » .
فالمسيحية ليست البداية ولكنها فصل من فصول الرواية التي تبدأ بالعهد القديم ولا سيما بسفر التكوين الذي يحكى قصة الخلق ، ثم ترد قصته عن المسيح وحوارييه لتمثل العهد الجديد ، وبعدها يلعب القديسون والقديسات دورهم في هداية البشر وحمايتهم . وقد ظل التاريخ الكنسى جنبا إلى جنب مع التاريخ العلمانى ، ولم يستطع مؤرخو العصور الوسطى الفصل بينهما ، وبقي التاريخ الكنسى مرتبطا بالتاريخ العلمانى ويزداد هذا الارتباط كلما زادت سطوة الكنيسة على الشؤون العلمانية . « 2 »
هامش
( 1 )Harry Elmer , pp . 41 - 43 .( 2 ) بيريل سمالى ، المؤرخون في العصور الوسطى ، ترجمة : قاسم عبده قاسم ، دار المعارف ، 1978 م ، ص 55 ، ص 235 ، ص 236 .