وقبض على جماعة من الجند حصلوا في السجون مودعين ، وبالمنون موعدين « 1 » ، وجاءهم اليوم العبوس « 2 » ، وحيزت منهم الأموال ثم حزت الرؤوس ، وسحبوا إلى السّور ونصبوا عليه ، وسلبوا حتى من ستر ما يحرم النظر إليه . وكان فيهم واحد من أعيان البلد وفضلائهم صلّى بما صلّوا ، وحصل حيث حصلوا . ثم إن الوالي أخبر أنه قد اكتفى فكف ، وأظهر أنه عفا وعن الدّماء عف ، فأهدى الأمان ، وأهدر ما كان ، ولم تكن لأزمنة أمانه عدّة محسوبة ، بل ولا مدّة محسوسة « 3 » ، إنما كان ينبذ به الاحتيال على الاغتيال « 4 » ، وينسخه قبل التمكن من الامتثال ، فقتل ناسا ، وأظهر من الفظاظة أجناسا .
وأتي برجل نجار ، وكان بينه وبين القائد علقة جوار ، وكان قد اطّلع على سرّه ، وأراد الناس قتله خيفة شرّه ، ولم يأمنوا أن يسم بريا بظلمه ، أو يسمّي أحدا فلا تعمل الرّقى في سمّه ، فحين حضر عند الوالي واستنطقه ، تكفل له بالصدق إن هو أطلقه ، فقال تكلّم فأنت طليق ، وأقبل عليه وهو بالاختلاق في ذلك الموقف خليق « 5 » ، فأطال نجواه ، / 18 / ومعه مداد ودرج كتب به كل ما أملاه ، فحينئذ ساءت الظنون ، وانتظر ما يكون ، وانهل وبل البلاء ، وسال غيم الغماء « 6 » ، وبلغت القلوب الحناجر « 7 » ، واتهمت العيون
هامش
( 1 ) جناس ناقص بين " مودعين وموعدين " .
( 2 ) استعارة مكنية شبّه فيها المؤلف اليوم بالإنسان الذي له صفة العبوس .
( 3 ) جناس ناقص بين " محسوبة ومحسوسة " .
( 4 ) جناس ناقص بين " الاحتيال والاغتيال " .
( 5 ) جناس ناقص بين " طليق وخليق " .
( 6 ) مجاز مرسل ، فالمطر هو الذي يسيل من الغيم .
( 7 ) إشارة إلى قوله تعالى :" إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ". سورة الأحزاب ، الآية رقم 10 . نزلت هذه السورة تصور مشهد حصار المسلمين في غزوة الخندق ( الأحزاب ) ، من طرف قريش وغطفان في ذي القعدة سنة 5 ه ، وقد عانوا فيها أهوالا كبيرة واشتد عليهم الخوف والرعب .