فرار ولد الوالي
وكان له ولد ينافس بعض إخوته « 1 » ، ويحسده / 42 / على مكانته عند الوالد وحظوته ، وكان يدلّ بالخلق الرّضي ، ويدلي بولادة لم يكن فيها حظ لهذا الحظي ، ولم يزل ينطوي من هذا الأمر ، على أحرّ من الجمر ، ويرصد الغوائل « 2 » لأبيه ، ويخطر بخاطره من المنتصر أمر الشاب الشبيه .
فلمّا رأى حال البلد ، وقدّر التشفي من الوالد والولد ، ركب جنح الظلام « 3 » ، وارتكب جناح « 4 » الأثام ، وخرج إلى الرّوم فأكرموا مثواه ، وذمّوا له أباه الذي أباه « 5 » ، وأصبح الناس من خبره مرتاعين ، ولأمر أبيه مراعين ، فأدناهم وجمعهم ، وأخذ في البراءة منه معهم ، وأخبرهم أنه منذ عقل ما صدرت عنه
هامش
( 1 ) جاءت الإشارة في المخطوط إلى أبناء وبنات والي ميورقة أبي يحيى التنملي في عدّة مواضع ، فمنهم الابن الذي أجلسه والده للأحكام حين احتجب عن الناس وبالغ في الاحتراس خوفا من الجماعة الأندلسية . والثاني وهو هذا المرتد الذي فرّ إلى النصارى . والولد الثالث ابن الستة عشر ربيعا الذي قتله النصارى بين يدي والده وهو تحت التعذيب تنكيلا له وإرغاما . والابن الرابع الذي تنصر خوفا من إلحاقه بأخيه . أما البنات فقد صرن في حكم الأسر والرق بعد سقوط ميورقة .
( 2 ) والمفرد غائلة : الحقد الباطن والشر والدواهي . والغيلة : الخديعة والاغتيال . يقال : قتل فلان غيلة أي خدعة ، وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع ، فإذا صار إليه قتله وقد اغتيل . والغيلة في كلام العرب إيصال الشر والقتل إليه من حيث لا يعلم ولا يشعر . لسان العرب ، ج 11 ، ص 512 .
( 3 ) كناية عن فرار ولد الوالي إلى معسكر النصارى في ظلمة الليل .
( 4 ) الجناح : الميل إلى الإثم ، وقيل : هو الإثم عامة . قال تعالى :" وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ "، أي الجناية والجرم . وقيل : لا إثم عليكم ولا تضييق . وفي حديث ابن عباس في مال اليتيم : إني لأجنح أن آكل منه ، أي أرى الأكل منه جناحا وهو الإثم . لسان العرب ، ج 2 ، ص 430 .
( 5 ) جناس تام بين " أباه الاسم وهو الوالد وأباه الفعل " .