وكان قد أمر فنودي : من جاء بأسير فله عشرة دنانير ، ومن جاء برأس فله خمسة دنانير ، فلما انهزم أصحابه لقيه علي بن بليق - وهو من أصحاب مؤنس - فترجل وقبّل الأرض وقال له : إلى أين تمضى ؟ ! ارجع ؛ فلعن الله من أشار عليك بالحضور ! فأراد الرجوع فلقيه قوم من المغاربة والبربر ، فتركه علىّ معهم وسار عنه ، فشهروا عليه سيوفهم فقال : ويحكم ! أنا الخليفة ! فقالوا : قد عرفناك يا سفلة ، أنت خليفة إبليس ؛ تبذل في كل رأس خمسة دنانير ، وفي كل أسير عشرة دنانير ! وضربه أحدهم بسيفه على عاتقه فسقط إلى الأرض وذبحه بعضهم ، فقيل : إن علي بن بليق غمز بعضهم فقتله .
وكان المقتدر ثقيل البدن عظيم الجثة ، فلما قتلوه رفعوا رأسه على خشبة وهم يكبرون ويلعنونه ، وأخذوا جميع ما عليه ، حتى سراويله وتركوه مكشوف العورة ، إلى أن مر به رجل من الأكرة فستره بحشيش ، ثم حفر له موضعه ، ودفن وعفى قبره ! وكان مؤنس في الراشدية لم يشهد الحرب ، فلما حمل رأس المقتدر إليه بكى ولطم وجهه ورأسه ، وقال :
يا مفسدون ! ما هكذا أوصيتكم ! وقال : قتلتموه ، وكان هذا آخر أمره ؟ والله لنقتلن كلنا ، وأقل ما في الأمر أنكم تظهرون أنكم قتلتموه خطأ ، ولم تعرفوه .
وتقدم مؤنس إلى الشماسية ، وأنفذ إلى دار الخليفة من يمنعها من النهب ، ومضى عبد الواحد بن المقتدر وهارون بن غريب ومحمد بن ياقوت وابنا رائق إلى المدائن ، وكان ما فعله مؤنس سببا لجراءة أصحاب الأطراف على الخلفاء وطمعهم فيما لم يكن يخطر لهم على بال ، وانخرقت الهيبة وضعف أمر الخلافة .
على أن المقتدر أهمل من أحوال الخلافة كثيرا ، وحكّم فيها النساء والخدم ، وفرط في الأموال ، وعزل من الوزراء وولى ؛ وذلك ما أوجب طمع أصحاب الأطراف والنواب ، وخروجهم عن الطاعة ، وكان جملة ما أخرجه من الأموال - تبذيرا وتضييعا في غير وجه - نيفا وسبعين ألف ألف دينار سوى ما أنفقه في الوجوه الواجبة ، وإذا اعتبرت أحوال الخلافة في أيامه وأيام أخيه المكتفى ووالده المعتضد ؛ رأيت بينهم تفاوتا بعيدا .
وكانت مدة خلافته أربعا وعشرين سنة وأحد عشر شهرا ، وستة عشر يوما ، وكان عمره ثمانيا وثلاثين سنة ونحوا من شهرين « 1 » .
ذكر خلافة القاهر بالله :
لما قتل المقتدر ، وانحدر مؤنس ورأى رأس المقتدر ، قال : إن قتلتموه والله لنقتلن
هامش
( 1 ) ينظر : الكامل ( 8 / 241 - 244 ) .