قضى الله ألا تزالون مختلفين ، وسيحكم الله بين عباده ؛ فأمنه الناس .
وكانت الخوارج يلقى بعضهم بعضا ، ويتذاكرون مكان إخوانهم بالنهروان ، ويرون في جهاد أهل القبلة ، ففزعوا إلى ثلاثة نفر : المستورد بن علفة التيمي ، وحيان بن ظبيان ومعاذ بن حصن الطائي ، فاجتمعوا في منزل حيان بن ظبيان ، فتشاوروا فيمن يولون عليهم ، فقال لهم المستورد : أيها المؤمنون ، ما أبالي من كان منكم الوالي ، وما شرف الدنيا نريد ، وما إلى البقاء فيها من سبيل ، فقال حيان : أما أنا فلا حاجة لي فيها ، وأنا بك وبكل امرئ من إخواني راض ، فانظروا من شئتم منكم فسموه ، فأنا أول من يتابعه .
فقال معاذ بن حصين : إذا قلتما هذا وأنتما سيدا المسلمين ، فمن يرأس المسلمين وليس كلكم يصلح لهذا الأمر ، وإنما ينبغي أن يلي على المسلمين إذا كانوا سواء في الفضل أبصرهم بالحرب وأفقههم في الدين ، وأنتما - بحمد الله - ممن يرضى بهذا الأمر ، فليتوله أحدكما .
قالا : فتوله أنت ، فقد رضيناك ؛ فأنت - والحمد لله - الكامل في دينك ورأيك ، فقال : أنتما أسنّ منى ؛ فليتوله أحدكما ، فقال جماعة من الخوارج : قد رضينا بكم أيها الثلاثة ، فولوا أيكم أحببتم فليس في الثلاثة رجل قال لصاحبه : تولها فإني بك راض ، ثم بايعوا المستورد ، وذلك في جمادى الآخرة ، ثم أجمعوا على الخروج في غرة هلال شعبان سنة ثلاث وأربعين « 1 » .
وحج بالناس في هذه السنة عنبسة بن أبي سفيان .
وتوفى في هذه السنة من الأعيان : عمرو بن العاص بن وائل السهمي ، وحبيب بن مسلمة الفهري وكان أميرا لمعاوية على أرمينية ، وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري ، وصفوان بن أمية بن خلف الجمحي .
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين
وفيها غزا بسر بن أبي أرطأة الروم ، وشتى بأرضهم حتى بلغ القسطنطينية فيما زعم الواقدي ، وأنكر ذلك قوم من أهل الأخبار ، وقالوا : لم يشت بسر بأرض الروم قط .
وفيها ولى معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص مصر ، فوليها نحوا من سنتين « 2 » .
وفيها قتل المستورد بن علفة التيمي الخارجي ، وكان الخوارج قد بايعوه وخاطبوه بأمير المؤمنين .
هامش
( 1 ) ينظر : المنتظم ( 5 / 193 - 195 ) .
( 2 ) ينظر : الكامل ( 3 / 425 ) .