وقال جماعة : هو عربى مشتق من الأرخ بفتح الهمزة وكسرها ، وهو ولد البقرة الوحشية ، وقيل : إن الأرخ البقرة التي لم ينز عليها الثيران ، والعرب تشبه بها النساء الخفرات .
وقال ابن الجواليقي : يقال : إن الأرخ : الوقت ، والتأريخ : التوقيت . قال ابن برى : لم يذهب أحد إلى هذا ، وإنما قال ابن درستويه : اشتقاق الأرخ من بقر الوحش واشتقاق التأريخ واحد ؛ لأن القنا وقت من السن ، والتأريخ وقت من الزمن .
وقال ابن برى : وقد أحسن كل الإحسان وجمع الأرخ والتأريخ .
وفي الاصطلاح : التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال من مولد الرواة والأئمة ، ووفاة وصحة وعقل وبدن ورحلة وحج وحفظ وضبط وتوثيق وتجريح ، وما أشبه هذا مما مرجعه الفحص عن أحوالهم في ابتدائهم وحالهم واستقبالهم ، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة ، من ظهور ملمة ، وتجديد فرض ، وخليفة ، ووزير ، وغزوة ، وملحمة ، وحرب ، وفتح بلد ، وانتزاعه من متغلب عليه ، وانتقال دولة ، وربما يتوسع فيه لبدء الخلق وقصص الأنبياء ، وغير ذلك من أمور الأمم الماضية ، وأحوال القيامة ومقدماتها أو دونها : كبناء جامع ، أو مدرسة ، أو قنطرة ، أو رصيف ، أو نحوها ، مما يعم الانتفاع به مما هو شائع مشاهد أو خفى سماوي : كجراد وكسوف وخسوف ، أو أرضى كزلزلة وحريق وسيل وطوفان وقحط وطاعون وموتان ، وغيرها من الآيات العظام والعجائب الجسام .
والحاصل أنه فن يبحث فيه عن وقائع الزمان من حيثية التعيين والتوقيت بل عما كان في العالم .
بدء التاريخ وسبب عمله
ونحن بصدد الكلام عن التاريخ يحسن بنا أن نوضح متى بدأ التاريخ الإسلامي ؛ فنقول - وللّه الحمد والمنة - : روى الحاكم في « الإكليل » عن ابن شهاب الزهري - رحمه اللّه - قال : لما قدم النبي صلى اللّه عليه وسلّم المدينة أمر بالتاريخ فكتب في ربيع الأول . قال الحافظ ابن حجر رحمه اللّه : هذا معضل .
قلت : ورواه يعقوب بن سفيان بلفظ « التاريخ من يوم قدم النبي صلى اللّه عليه وسلّم مهاجرا » .
قال ابن عساكر والحافظ ابن حجر : وهذا أصوب ، والمحفوظ : الآمر بالتاريخ عمر بن الخطاب .