تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط بيروت ) — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
ومنهم الشيخ محي الدين الحوراني « 1 » ، أقام بمكة مدة طويلة تفقه بها ، وأدرك الحافظ محب الدين الطبري الكبير فتفقه عليه . ثم أقام بالمدينة نحوا من عشرين سنة على اشتغال بالعلم وتجرّد من الدنيا ، وكانت له خزانة عظيمة مشتملة على كتب حفيلة ، مثل : « الرافعي » و « ابن الرفعة » ، و « الروضة » ، وغير ذلك من الكتب المنتقاة ، أوقفها كلها وجعل مقرها بالمدرسة « 2 » في خزانتها ، وكانت أمام بيته الذي هو في الزاوية الملاصقة لإيوان الشافعية ، وكان يظن أن المدرسة تكون أبدا على حالها في أيامه ، فشرط أن لا تغير الخزانة من موضعها ، ولو رأى حالها اليوم ما قيدها بهذا الشرط . ولما خيف عليها أمر القاضي بحملها ووضعها في خزانة الكتب اليوم ، وهو البيت الذي على باب المدرسة أصلح اللّه أمرها ، ورد إليها حالها . وكان الشيخ محيي الدين نائبا في الحكم عن القاضي سراج الدين لما سافر إلى مصر ، فحكم وعدل ، ودرّس فما قصّر ، وكان والدي رحمه اللّه يحضر درس السرّاج ، فلما سافر السرّاج . قال محيي الدين الحوراني : لا يحل لي ولا لك أن تحضر معي وأنت قادر على القيام بشرط الواقف في تدريس جماعتك والانفراد بهم في إيوانهم . فتوقف والدي خوف فتنة السراج ، ولما يعلم من خلقه وكراهيته لهذا الأمر ، فعزم محيي الدين على والدي وشدد عليه ، فجلس والدي في إيواننا اليوم ، وهو الإيوان الذي فيه الشباك ودرّس ، والتفّت عليه الطائفة المالكية وبعض الشافعية ، وكان طلبة المالكية أكثر من طلبة الشافعية ، فلما جاء السراج من البلاد عزّ عليه ما وقع وأنّب الحوراني وهجره وسفّه رأيه . وقال له : فتحت عليّ بابا كنت قد سددته ، وحسمت مادته ، واللّه لا تركته حتى أغلب عليه . ثم إنه اجتمع بوالدي وألان له الكلام وأضمر له الخداع .
هامش
( 1 ) هو : أحمد بن عبد الواحد بن مري بن عبد الواحد السعدي المقدسي : ولد سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ، كان أحد المشايخ المشهورين الجامعين بين الفضل والدين ، توفي بالمدينة سنة سبع وستين وستمائة ، ترجمته في : « العقد الثمين » 3 / 83 ( 588 ) . ( 2 ) يعني : المدرسة الشهابية .