تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ طبرستان — صفحة 49

مساهمون:

ص٤٩
فقال النسانيس : يجب أن توضح لنا سبب هذا الأمر وموجب هذا التحرك وأن توضح لنا ما في هذه الفكرة من صلاح حتى تتفق الآراء ، فإن كانت تتضمن النجاح والخير فلن يكون هناك عصيان لأمرك ، فقال : لن أطلعكم قط على هذه الفكرة فقد طاب لكم هذا المنزل فهو مكان فسيح حبيب إلى قلوبكم موفور النعمة ، واعلموا أنني لو أطلعتكم على ما أعلمه فلن يكون له في عيونكم ولا في قلوبكم وزن ولا محل ، لكن بحكم ما تعرفونه عنى من فضل الرأي وغلبة العقل على اقبلوا نصيحتى والتمسوا متابعتي حتى نحل في مكان آخر فقد أشار العقلاء بذلك :
وما الحزم إلا أن يحن ركائبى * إذا مولدي لم أستطب منه موردى « 1 »
فالهجرة والجلاء بعدا عن الجفاء ومغادرة البلاء هي سنة الأنبياء والمرسلين في كل زمان ولا يقبل لدى العقل أن العاقل ، يستصغر ذلك حتى يرى تباشير الشر ، ومنكرات الضر في نفسه وأتباعه وأهله ، وأشياعه ، ويفضل المعاناة من أجل الطعام والوجود على سعادة العمر التي فيها كل الخير ، وإن فعل ذلك فإنه ينسب إلى الجهل والكسل ويجر الأجل على نفسه بهذا الحمق :
فما كوفة أمي ولا بصرة أبى * ولا أنا يثنينى عن الرحلة الكسل وفي العيش لذات وللموت راحة * وفي الأرض منأى للكريم ومرتحل « 2 »
فالكريم العنصر الشريف الجوهر في كل منزل ومقر يستقر فيه يكون متمتعا بفضائل الذات وهناء اللذات فإذا ما سقط مثلا في البحر فإن السماحة والفلاح يسبحان معه ولو كان العز والمنقب والرزق والمرتبة تجعل مقاما دون مقام لما قيل :
لو حاز فخرا مقام المرء في وطن * ما جازت الشمس يوما بيتها الأسد « 3 »
هامش
( 1 ) الحزم في نظره أن يخف الإنسان في طلب رزقه ويسعى في كسب معيشته فإذا لم يطب له العيش في بلده حزم الركاب إلى أماكن أخرى ( المترجم ) . ( 2 ) لست متعلقا بمكان أهوى الجد ولا يعجزنى الكسل أجد اللذة في التعب وإن مت في السعي على معيشتى ففي الموت راحة والأرض واتساعها يسعى الكريم عليها أينما حل بها ( المترجم ) . ( 3 ) المرء في وطنه لا يبلغ فخرا ولا ينال مجدا كالعود في أرض نوع من الحطب ( المترجم ) .