تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ دمشق — صفحة 1122

مساهمون:

ص١١٢٢
[ نصر بن ] صالح بن مرداس ، وهو صاحب المكاتبة إلى سديد الملك ابن منقذ صاحب شيزر . وشرح الحال في ذلك أن سديد الملك أبا الحسن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ الكناني كان يتردد إلى حلب قبل تملكه شيزر ، وصاحب حلب يومئذ محمود المذكور ، فجرى أمر خاف سديد الملك على نفسه منه ، فخرج من حلب إلى طرابلس الشام وصاحبها يوم ذاك جلال الملك ابن عمار فأقام عنده ، فتقدم محمود بن [ نصر بن ] صالح إلى كاتبه أبي نصر محمد المذكور أن يكتب إلى سديد الملك كتابا يشوقه ويستعطفه ، ويستدعيه إليه ففهم الكاتب أنه يقصد له شرا ، وكان صديقا لسديد الملك ، فكتب الكتاب كما أمر إلى أن بلغ إلى إن شاء الله تعالى فشدد النون ، وفتحها ، فلما وصل الكتاب إلى سديد الملك عرضه على ابن عمار ، ومن بمجلسه من خواصه فاستحسنوا عبارة الكتاب ، واستعظموا ما فيه من رغبة محمود فيه وايثاره لقربه ، فقال سديد الملك إني أرى في الكتاب ما لا ترون ، ثم أجابه عن الكتاب بما اقتضاه الحال ، وكتب في جملة الكتاب : أنا الخادم المقر بالإنعام وكسر الهمزة من أنا وشدد النون ، فلما وصل الكتاب إلى محمود ووقف عليه الكاتب سرّ بما فيه ، وقال لأصدقائه : قد علمت أن الذي كتبته لا يخفى على سديد الملك ، وقد أجاب بما طيب نفسي ، وكان الكاتب قد قصد قوله تعالى :
إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ
« 1 » فأجاب سديد الملك بقوله تعالى :
إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها
« 2 » فكانت هذه معدودة من تيقظ الكاتب وفهمه ، وتيقظ سديد الملك ابن منقذ أيضا وإفراط ذكائه ، وفطنته وكلاهما غاية في ذلك ، وابن منقذ أشد فطنة في هذا الموطن ، والله أعلم .

سليمان بن داود بن موسك أبو الربيع الروادي الهذباني

، أسد الدين ابن
هامش
( 1 ) سورة القصص - الآية : 20 . ( 2 ) سورة المائدة - الآية : 24 .