تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ دمشق — صفحة 858

مساهمون:

ص٨٥٨
القلوب ، وتذرف لسماع كلامه العيون ، وتفرّد بهذا الفن وحصل له فيه القبول التام ، وفاق فيه من عاصره ، وكثيرا ممن تقدمه ، حتى أنه كان يتكلم في المجلس الكلمات اليسيرة المعدودة ، أو ينشد البيت الواحد من الشعر ، فيحصل لأهل المجلس من الخشوع والاضطراب والبكاء مالا مزيد عليه ، فيقتصر على ذلك القدر اليسير ، ويترك فكانت مجالسه نزهة القلوب والأبصار ، يحضرها الصلحاء والعلماء والملوك والأمراء والوزراء ، وغيرهم ولا يخلو المجلس من جماعة يتوبون ويرجعون إلى الله تعالى ، وفي كثير من المجالس يحضر من يسلم من أهل الذمة ، فانتفع بحضور مجالسه خلق كثير ، وكان الناس يبيتون ليلة المجلس في جامع دمشق ، ويتسابقون على مواضع يجلسون فيها لكثرة من يحضر مجالسه ، وكان يجري فيها من الطرف ، والوقائع المستحسنة ، والملح الغريبة ما لا يجري في مجالس غيره ممن عاصره ، وتقدم عصره أيضا ، وكان له الحرمة الوافرة ، والوجاهة العظيمة عند الملوك وغيرهم من الأمراء والأكابر ، ولا ينقطعون عن التردد إليه ، وهو يعاملهم بالفراغ منهم ، ومما في أيديهم ، وينكر عليهم فيما يبدو منهم من الأمور التي يتعين فيها الإنكار ، وهم يتطفلون عليه وكان في أول أمره حنبلي المذهب ، فلما تكرر اجتماعه بالملك المعظم عيسى ابن الملك العادل رحمهما الله اجتذبه إليه ، ونقله إلى مذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه ، وكان الملك المعظم شديد التغالي في مذهب أبي حنيفة فغاظ ذلك الشيخ شمس الدين عند كثير من الناس وانتقدوه عليه . حكي لي أن بعض الفقراء أرباب الأحوال قال له وهو على المنبر : إذا كان الرجل كبيرا ما يرجع عنه إلّا لعيب ظهر له فيه ، وأي شيء ظهر لك في الإمام أحمد حتى رجعت عنه ؟ فقال له : اسكت ، فقال : أما أنا ، فقد سكت ، وأما أنت ، فتكلم فرام الكلام فلم يستطعه ولا قدر عليه ، فنزل عن المنبر ، ومع ذلك كان يعظم الإمام أحمد رحمة الله عليه ، ويبالغ