تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البرنس في باريس — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
كان هذا الحديث مع النفس هو موضوع السمر وتقصير حصة السفر فيما بين آرل ومرسيلياء آيبا في قطار خصوصي للمتفرجين عن ألعاب الثيران يوم الأحد في التياترو الروماني بآرل . ثم راجعت حافظتي في مرسيليا ، وقبل مبارحة تراب العدوة الشمالية عما ظهر لي من خلق وأخلاق وعوايد هاته الأمة لأرسم شيئا منه في كتاب الرحلة وحررت ما يأتي .

خلق الفرنساويين

سكان الحواضر على المتعارف عندنا والمعهود من قديم أكثر جمالهم مجلوب ومؤيد بالحلل والمصوغ . وفي البادية متى وجد الجمال فهو موهوب وفي غنى عن المحسن وما يحمر منه وجه الحقيقة . غير أن باريز وجهة ربات الجمال من كل بلد ، وبادية وصقع للتمعش والرفاهية التي لا تنال في غير باريز ، التي تقدر كل الكمالات حق قدرها ولا تبخس الناس أشياءهم . والسبب في ذلك الذوق اللطيف في سكانها والجدة واستبحار العمران والتغالي في لذات الحياة الدنيا . ذكرت لي سيدة في قومها روسية أن نساء باريز يضعون على وجوههم الأصباغ المبيضة والمحمرة . وأثنت على جمال الجراكسة وأخبرت بأن مسلمات القوقاز وجوههن مغطاة متى خرجن إلى الطرقات . أما في منازلهن فكثير من أجسادهن غير مغطى . وأخبرني زوجها وهو حاكم إحدى مدن الروسيا ، بما يدل على ما انفردت به باريز من بين العواصم . كان نزل معنا في أتيل دوفمي ويجمعنا في بعض الأحيان السمر ليلا في كافي روايال بجوار باساج جوفروا . وجلوس القهوات في أروبا غير محظور . وقد قال الشيخ رفاعة المصري في رحلته إلى باريز : والقهاوي عندهم ليست مجمعا للحرافيش بل هي مجمع لأرباب الحشمة ، إذ هي مزدانة بالأمور النفيسة وأثمان ما فيها غالية جدا ، فلا يدخلها إلّا أهل الثروة ، وأما غيرهم فيدخلون بعض قهاوي خاصة بهم . قلت فهم لذلك لا يجلسون في مخازن البضائع ، أو تشتكي منهم دكاكين أرباب الصنائع . وكانت آلاف الرجال والنساء تمر أمامنا في شارع موتماتر المتصل بشارع الطليان ، وهما من أحسن مراكز العمران وحركة السكان بباريز . والنساء تظهر أكثر عددا من الرجال .