ترجمة المؤلف
إن حياة أبي محمد الحسن بن أحمد الهمداني ، قد حام حولها الكتاب منذ زمن متقادم ، ولكنهم لم يصلوا إلى صميم حياته الأولية وواقعها ، ولا سايروه من مولده إلى بيته وأسرته ، حتى ابتدر بدره وأشرق شمسه ، إلى أن أدركه المحاق ولحقه السرار ، شأن كل كائن حيّ .
وعظمة أبي محمد ، تزداد ظهورا وجلاء ، كلما عثر الباحثون على يتيمة من جواهره ودرة من لآلئه ، لأنها تفتح لهم ناحية من حياته كانت مقفلة عنهم أو غامضة ، وصفة ممتازة كانت مدفونة ، أو بعث مؤلف من مؤلفاته من عالم الدثور إلى عالم النشور ، ألقى علينا بصيصا من النور ، وألقى ضوءا يبدد تلك الحلكة المتكاثفة التي كانت حائلة عن المعرفة المتكاملة عن حياة الهمداني ، وهلم جرّا ، حتى ييسر اللّه بكل مؤلفاته إن شاء اللّه ، وما ذلك على اللّه بعزيز .
وبما أني شغوف بكتب أبي محمد الهمداني ، فقد أردت أن أتطفل وأجعل نفسي من أولئك الكرام الكاتبين ، الذين حاولوا ويحاولون أن يبرزوا الهمداني وحياته الحافلة بجلائل الأعمال ، ببزة قشيبة الحواشي جميلة الوشي مستكملة الأطراف غير البزة التي اعتادها الكاتبون الذين يتناولون حياته بالترجمة التي لم تجد بها الأفهام ولا خطتها الأقلام ، وألقيت دلوي بين الدلاء ، وذلك بعد دراسة عميقة لما وقع إلى يدي من مؤلفاته التي نحن بصددها ، والتي أضعها بين يدي القارئ ، ومثل « صفة جزيرة العرب » « والدامغة » مستعينا باللّه وبه ثقتي .
إن الهمداني من أولئك الأفذاذ الذين سجل لهم التاريخ أروع صفحة لامعة محاطة بهالة التمجيد والإعجاب ، وآية من آيات الزمن تكون حجة باقية تتحدى الأجيال ، بما خلف من آثار حميدة وتراث مجيد وعلم صحيح .
وما أشبه أبي محمد بقول حبر الأمة عبد اللّه بن العباس رضي اللّه عنهما لبعض اليمانية :
« لكم من السماء نجمها ومن الكعبة ركنها ومن السيوف صميمها » يعني سهيلا النجم ، والركن اليماني ، وصمصامة عمرو بن معد يكرب الزّبيدي .
وفي برد أبي محمد تجمعت أفراد معاني هذه الخلال الشريفة ، وتجلت فيه تجليا ظاهرا ، وصار فيه صفة لازمة ارتدى بها وتأزر .
فما هو بالركن اليماني الذي تومئ إليه أو تستمله تبركا ، بل هو ركن من أركان العلم وحجر زاويته وأساسه لطلاب الحقائق الناصعة الصافية ، وقبلة رواد المعرفة ، والكعبة التي تتوجه أنظار الباحثين وتتيمم صوبها آمال المكتشفين ، الذين يطوفون حول معارفه ليزدادوا