تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
بالعلم ، وأخلاقه مشموله باللطف ، غير أنه توج بالحلم ، ومعاريضه تشحذ خاطر النديم ، ومحاورته تشفي من الداء السقيم ، ومكانته في الشعر عالية المنار ، وسامية المقدار . فمن أبياته النوافث ، التي أسكتت كل نافث ، ما عارض بها أقرانه ، وأبدع فيها أفنانه ، قوله :
تمنّع الحب لما * رأى العوالم أسرى
وقال إني مليك * أطاع نهيا وأمرا
والدهر عبدي وإني * حزت المحاسن طرا
فقلت قد تهت عجبا * فأبدل العجب شكرا
فقال كم من مليح * لديّ يسخط قدرا
يقول عجبا وتيها * أليس لي ملك مصرا
ومنهم السيد هاشم أفندي « 1 » ، عصامي المجد والعلو ، وذاتيّ الجد والسمو ، فطائر صيته صادح فوق النسر الواقع ، وسائر سعده رائح إلى الفلك الرابع ، هذب قريحته بمراجعة الأسفار ، وأشرب طويته في مطالعة الأخبار ، ومارس المشكلات بذهن وقاد ، ودارس المعضلات مع قوم نقاد ، فهو إخباريّ المحادثة ، نظريّ المباحثة ، متعمق في الألفاظ الواردة ، متأنق بالأدلة الشاهدة ، إذا شرع في الفقه أعجب به أهله ، وإذا نزع إلى أصوله أطاعه فرعه وأصله ، وإن أورد علوم العربية بلسانه ، شاقت العرب الأبية إلى براعة افتنانه ، وإن أجرى أبحر التفاعيل والصنج ، أجرى الشعراء على زنة كل خفيف وهزج ، شعره بعيد من الزحاف ، ورصفه سديد بلا خلاف ، فقره فقر عتبية ، وقوافيه قواف عربية .
من مبلغ الأعراب أني بعدها * لاقيت رسطاليس والإسكندرا
وأبياته في هذا المورد لا تفي بمقامه ، مع أنها في ديوان الأدب من بديع نظامه ، إذ هي فطرة من غيث هتون ، أو شذرة من در مكنون :
أجرى المدامع نهرا * وصير القلب مصرا
وهز عادل قدّ * يطول وصفا وذكرا
وصال باللحظ حربا * ما حرب سيف وكسرى
أسكنته بيت قلبي * وصاحب البيت أدرى
هامش
( 1 ) هو الشيخ الكّلاسي المتوفى سنة 1229 تقدمت له ترجمة موجزة .