تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧

سنة 580

ذكر وصف الرحالة أبي الحسين محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي لما مرّ به من هذه الديار في هذه السنة

قال في وصفه لمدينة حران :

بلد لا حسن لديه ولا ظل يتوسط برديه ، قد اشتق من اسمه هواؤه فلا يألف البرد ماؤه ، ولا تزال تتقد بلفح الهجير ساحاته وأرجاؤه . ولا تجد فيه مقيلا ولا تنفس منه إلا نفسا ثقيلا . قد نبذ بالعراء ، ووضع في وسط الصحراء ، فعدم رونق الحضارة ، وتعرت أعطافه من ملابس النضارة . أستغفر اللّه كفى بهذا البلد شرفا وفضلا أنها البلدة العتيقة المنسوبة لأبينا إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم ، وله بقبليها بنحو ثلاثة فراسخ مشهد مبارك فيه عين جارية كان مأوى له ولسارة صلوات اللّه عليها ومتعبدا لهما . ببركة هذه النسبة قد جعل اللّه هذه البلدة مقرا للصالحين المتزهدين ومثابة للسائحين المتبتلين ، لقينا من أفرادهم الشيخ أبا البركات حيان ابن عبد العزيز حذاء مسجده المنسوب إليه ، وهو يسكن منه في زاوية بناها في قبلته ، وتتصل بها في آخر الجانب زاوية لابنه عمر قد التزمها وأشبه طريقة أبيه فما ظلم ، وتعرفت منه شنشنة أعرفها من أخزم ، فوصلنا إلى الشيخ وهو قد نيف على الثمانين فصافحنا ودعا لنا وأمرنا بلقاء ابنه عمر المذكور من رجال الآخرة ، ولقينا أيضا بمسجد عتيق الشيخ الزاهد سلمة فلقينا رجلا من الزهاد الأفراد فدعا لنا وسألنا وودعناه وانصرفنا . وبالبلد سلمة آخر يعرف بالمكشوف الرأس لا يغطي رأسه تواضعا للّه عز وجل حتى عرف بذلك ، ووصلنا إلى منزله فأعلمنا أنه خرج للبرية سائحا . وبهذه البلدة كثير من أهل الخير وأهلها هينون معتدلون محبون للغرباء مؤثرون للفقراء ، وأهل هذه البلاد من الموصل لديار بكر وديار ربيعة إلى الشام « 1 » على هذا السبيل من حب الغرباء وإكرام الفقراء ، وأهل قراها كذلك فما يحتاج الفقراء الصعاليك معهم زادا . لهم في ذلك مقاصد في الكرم مأثورة . وشأن أهل هذه البلاد في هذا السبيل عجيب واللّه ينفعهم بما هم عليه .
هامش
( 1 ) كان مجيئه من بغداد إلى الموصل إلى هذه البلاد .