تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
مالا لينفقه في الجيش حتى يقويه ويمنع الأتراك من بغداد ، فأعطاه الخليفة أربعمائة ألف دينار ففرّقها سيف الدولة في أصحابه ، ثم هرب سيف الدولة ودخل [ تورون ] بغداد وملكها . وذكر ابن حوقل في كلامه على بالس [ مسكنة ] أن سيف الدولة بعد انصرافه عن لقائه صاحب مصر وقد هلك جميع جنده أنفذ المعروف بأبي الحصين القاضي ، فقبض من تجار كانوا بها معتقلين عن السفر ولم يطلق لهم النفوذ ، فأخرجهم عن أحمال وأطواف زيت إلى ما عدا ذلك له من متاجر الشام في دفعتين بينهما شهور قلائل وأيام يسيرة ألف ألف دينار . قال ابن مسكويه : كان سيف الدولة معجبا بنفسه يحب أن يستبد برأيه ، كريما شجاعا محبا للفخر والبذخ ، مفرطا في السخاء والكرم ، شديد الاحتمال لمناظريه والعجب بآرائه ، سعيدا مظفرا في حروبه ، جائرا على رعيته اشتد بكاء الناس عليه ومنه . ولقد قيل إنه اجتمع لسيف الدولة بن حمدان ما لم يجتمع لغيره من الملوك ، كان خطيبه ابن نباتة الفارقي ومعلمه ابن خالويه ومطربه الفارابي وطباخه كشاجم وخزان كتبه الخالديين [ وهما يشبهان الأخوين الإفرنسيين ليكو نكور ] والصنوبري ومداحه المتنبي والسلامي والوأواء الدمشقي والببغاء والنامي وابن نباتة السعدي وغيرهم ، بل إنه اجتمع ببابه ما لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء من شيوخ الشعر ونجوم الدهر ، وكان أديبا شاعرا محبا لجيد الشعر شديد الاهتزاز بما يمدح به ، ولقد أورد صاحب اليتيمة من شعراء سيف الدولة وممن كانوا يقصدونه من الآفاق لينفقوا من أدبهم في سوقه ما هو بهجة النفوس مدى الأيام ، وربما قل في الملوك من مدح بمثل ما مدح به سيف الدولة ، حتى إن كلا من أبي محمد عبد اللّه بن محمد الفياض الكاتب وأبي الحسن علي بن محمد السميساطي قد اختارا من مدائح الشعراء لسيف الدولة عشرة آلاف بيت ، وكل هذه الإجادة في الشعر وتخريج الرجال كانت منبعثة من وراء إعطاء سيف الدولة للمال بدون حساب . تجلت في عهد سيف الدولة في ديار الشام روح غريبة في الأدب العربي وظهر بمظهر لم يسبق له عهد مثله ولا جاء في القرون التالية شبه له ونظير ، اللهم إلا إذا كان على عهد
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء — صفحة 263 | محمد راغب الطباخ الحلبي