تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
أموالك وقويت بذلك على ارتباط جندك وإرضاء العامة بإقامة العطاء فيهم من نفسك وكنت محمود السياسة مرضي العدل في ذلك عند عدوك ، وكنت في أمورك كلها ذا عدل وقوة وآلة وعدة ، فنافس في هذا ولا تقدم عليه شيئا تحمد مغبة أمرك إن شاء اللّه ، واجعل في كل كورة من عملك أمينا يخبرك أخبار عمالك ويكتب إليك بسيرتهم وأعمالهم حتى كأنك مع كل عامل في عمله معاين لأمره كله ، وإن أردت أن تأمره بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك ، فإن رأيت السلامة فيه والعافية ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصنع فأمضه ، وإلا فتوقف عنه وراجع أهل البصيرة والعلم ، ثم خذ فيه عدته ، فإنه ربما نظر الرجل في أمر من أمره قد واتاه على ما يهوى فقوّاه ذلك وأعجبه ، وإن لم ينظر في عواقبه أهلكه ونقض عليه أمره ، فاستعمل الحزم في كل ما أردت وباشره بعد عون اللّه بالقوة . وأكثر استخارة ربك في جميع أمورك ، وافرغ من عمل يومك ولا تؤخره لغدك ، وأكثر مباشرته بنفسك ، فإن لغد أمورا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخرت . واعلم أن اليوم إذا مضى ذهب بما فيه ، وإذا أخرت عمله اجتمع عليك أمر يومين فشغلك ذلك حتى تعرض عنه ، فإذا أمضيت لكل يوم عمله أرحت نفسك وبدنك وأحكمت أمور سلطانك . وانظر أحرار الناس وذوي الشرف منهم ثم استيقن صفاء طويتهم وتهذيب مودتهم لك ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على أمرك فاستخلصهم وأحسن إليهم ، وتعاهد أهل البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة فاحتمل مؤنتهم وأصلح حالهم حتى لا يجدوا لخلتهم مسا . وأفرد نفسك للنظر في أمور الفقراء والمساكين ومن لا يقدر على رفع مظلمة إليك . والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه فاسأل عنه أصفى مسألة ووكل بأمثاله أهل الصلاح من رعيتك ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك لتنظر فيها بما يصلح اللّه أمرهم ، وتعاهد ذوي البأساء ويتاماهم وأراملهم واجعل لهم أرزاقا من بيت المال اقتداء بأمير المؤمنين أعزه اللّه في العطف عليهم والصلة لهم ليصلح اللّه بذلك عيشهم ويرزقك به بركته وزيادة ، وأجر للأضراء من بيت المال وقدم حملة القرآن منهم والحافظين لأكثره في الجراية على غيرهم . وانصب لمرضى المسلمين دورا تؤويهم وقواما يرفقونهم وأطباء يعالجون أسقامهم وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد ذلك إلى صرف في بيت المال ، واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيهم لم يرضهم ذلك ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم طمعا في نيل الزيادة وفضل الرفق منهم ، وربما برم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء — صفحة 175 | محمد راغب الطباخ الحلبي