الحرمين سنتين ، فرأيت من حدّته ما لا مزيد عليه . فقال السّيّد أحمد : ذاك رجل من أهل البادية ، وتلقّى شيئا من العلم ، وقد حجر سلفنا وأشياخنا على المتعلّقين بهم الأخذ عنه ؛ لأنّه ليس بأهل للإلقاء ولا للتّلقّي ، ولا يخفى عليكم ما في طباع البادية من الغلظة والجفاء ) اه
وهذا لا يخلو عن حيف كثير على الشّيخ باصبرين ، ويكفي لردّه ما أخرجه الطّبرانيّ عن ابن عبّاس : « تعتري الحدّة خيار أمّتي » ، وكان موسى عليه السّلام حديدا ، وورد : « المؤمن سريع الغضب سريع الفيء » ، وضمّ إليه ما سبق من أخذ سيّدنا عمر بن حسن الحدّاد عنه ، وبإشارته كان تحويط الجمرتين بمنى ، فسلم النّاس ، ولا سيّما الضّعفاء من كثير من أضرار الزّحام ، فلقد كان رأيه موفّقا ، ولهذا بادر الشّريف بتنفيذه ، وطلب منه أن يكثر التّردّد عليه كما أخبرني وجيه جدّة النّبيل محمّد بن حسين بن عمر نصيف عن جدّه ، فأبى ؛ لأنّه كان شريف النّفس عليّ الهمّة رحمة اللّه عليه .
وحدّثني الوجيه محمّد نصيف أيضا أنّ أحد الدّلّالين باع له بنّا من يهوديّ ، فدلّس عليه في مئتي رطل ، فأخبر الشّيخ ممتنّا عليه بهذا الصّنيع ، فقال له الشّيخ : لا أرضى ولا أحبّ أن يطلبني اليهوديّ بحقّه في الدّار الآخرة ، وردّ عليه ما اختانه الدّلّال .
ومنه تعرف أنّ له تجارة بجدّة ، وكانت دار هجرته ونشر علمه ، وله بها تلاميذ كثيرون .
وقد علمت أنّ السّيّد عمر بن حسن الحدّاد قرأ عليه ، وهو من مراجيح العلويّين .
وحدّثني الشّيخ عبد اللّه باحشوان - أحد قضاة المكلّا السّابقين - قال : ( كنت مع الشّيخ عليّ باصبرين وأنا صغير ، فسمع مزمارا فسدّ أذنيه بأصبعيه ، وجعل يقول لي :
هل تسمع شيئا ؟ فأقول : نعم ، حتّى قلت : لا ، فأبعدهما ، يتسمّت بذلك ما فعل عبد اللّه بن عمر مع مولاه نافع ، ينقل ما صنع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عندما سمع مزمار الرّاعي ) [ د 4924 ] ، وقد جوّدت القول على هذه المسألة في كتابي « بلابل التّغريد » .
إدام القوت في ذكر بلدان حضرموت — صفحة 309
مساهمون: عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف
ص٣٠٩