إلّا بلمحة ، ولا بعث من نسيم روضك بغير نفحة ، فما زاد أن هيّج الأشواق فالتهبت ، وشنّ غاراتها على الجوانح فانتهبت ، وأعلّ القلوب وأمرضها ، ورمى ثغرة الصّبر فأصاب غرضها . فإن رأيت أن تنفّس عن نفس شدّ الشوق مخنّقها ، وكدّر مشارب أنسها وأذهب رونقها ، وتتحف من آدابك بدرر تقتنى ، وروضة طيّبة الجنى ، فليست ببدع في شيمك ، ولا شاذّة في باب كرمك . ولولا شاغل لا يبرح ، وعوائق أكثرها لا يشرح ، لنافست هذه السّحاءة « 1 » في القدوم عليك ، والمثول بين يديك ، فتشوّفي « 2 » إلى اجتلاء أنوارك شديد ، وتشيّعي فيك « 3 » على إبلاء الزمان جديد . فراجعني بقوله « 4 » : [ الطويل ]
حباك فؤادي نيل بشرى وأحياكا « 5 » * وحيد بآداب نفائس حيّاكا
بدائع أبداها بديع زمانه * فطاب بها يا عاطر الرّوض ريّاكا
أمهديها أودعت قلبي علاقة * وإن لم يزل « 6 » مغرى قديما بعلياكا
إذا ما أشار العصر نحو فرنده « 7 » * فإيّاك أعني « 8 » بالإشارة إيّاكا
لأتحفني لقياك أسمى « 9 » مؤمّلي * وهل تحفة في الدهر إلّا بلقياكا ؟
وأعقبت إتحافي فرائدك التي * وجوب ثناها يا لساني أعياكا
خصصتني « 10 » أيها الحبر « 11 » المخصوص بمآثر أعيا عدّها وحصرها ، ومكارم طيّب أرواح الأزاهر عطرها ، وسارت الركبان بثنائها ، وشملت الخواطر محبة علائها ، بفرائدك الأنيقة ، وفوائدك المزرية جمالا على أزهار الحديقة ، ومعارفك التي زكت حقّا وحقيقة ، وهدت الضالّ عن سبيل الأدب مهيعه « 12 » وطريقه ، وسبق تحفتك عندي أعلى التحف « 13 » ، وهو مأمول لقائك ، والتمتّع بالتماح سناك الباهر وسنائك ، على حين امتدت لذلك « 14 » اللقاء أشواقي ، وعظم من فوت استنارتي بنور محيّاك إشفاقي ،
Footnote
( 1 ) السحاءة : ما يكتب عليه من ورق وغيره .
( 2 ) في النفح : « فتشوقي » .
( 3 ) في النفح : « وتشيعي إلى إبلاء . . . » .
( 4 ) الأبيات في الكتيبة الكامنة ( ص 120 ) ونفح الطيب ( ج 8 ص 271 ) .
( 5 ) في الكتيبة : « فأحياكا » .
( 6 ) في الكتيبة : « أزل » .
( 7 ) في المصدرين : « فريده » .
( 8 ) في المصدرين : « يعني » .
( 9 ) في المصدرين : « أسنى » .
( 10 ) النص في نفح الطيب ( ج 8 ص 271 - 272 ) .
( 11 ) كلمة « الحبر » غير واردة في النفح .
( 12 ) المهيع : الطريق الواسع الواضح . لسان العرب ( هيع ) .
( 13 ) في النفح : « أعلى التحف عندي » .
( 14 ) في النفح : « لذلكم » .