عجبت لموجود حوى كل صورة * من الملأ العلوي والجن والبشر
ومن عالم أدنى ومن عالم علا * ومن حيوان كان أو نبت أو حجر
وليست سواه ولا هي عينه * وفي كل شيء شاء من صورة ظهر
ويبدو إلى الأبصار من حيث ذاته * ويخفى على الألباب ذاك ويستتر
فتجهله الألباب من حكم فكرها * وتظهره الأوهام للسمع والبصر
هو الحي لكن لا حياة بذاته * تقوم كما قامت بها سائر الصور
فمن هو خبر في الذي قد ذكرته * بما قد وصفناه وترمي به الفكر
فها هو مخفي وليس بغائب * وها هو منظور ويخفى على النظر
فياليت شعري هل سمعتم بمثله * ألا فأخبروني إن هذا هو العبر
ولم يدر ما جئنا به غير واحد * هو اللّه لا تدري به سائر الفطر
وما مثله إلّا شخيص وإنني * عجبت له من كامل وهو مختصر
هذا هو الخيال الذي يدخله النائم في نومه ، فيرى فيه من العجائب ما يبهر العقول ، ويرى فيه ما مضى وما هو آت ، ويسمع فيه لغات ولهجات ، في الأصل يجهلها ، وفيه يفهمها ، ويرى ما يفزعه فتضطرب له أعضاؤه ، ويرى ما ينعشه فتطرب له روحه ، ويدخله اليقظان في يقظته فيصور فيه ما شاء من أحلامه وأوهامه ، فما يراه النائم في النوم بعض منه ، لا تعمل له فيه ، وما يراه الإنسان في يقظته جزء منه ، ليس بخارج عنه ، هذا كل ما يعرفه العامة وأكثر الناس عن الخيال ، وأما الخاصة وأهل الكشف من أهل الإيمان ، الذين يرون في اليقظة ما لا يراه الآخرون ، ويسمعون ما لا يسمعه الحاضرون ، ففي هذا الخيال يرى الواحد منهم ما يرى ، ويخبر صادقا عما يسمع ويرى ، وكذلك أهل الرياضة من جميع الملل وأهل السحر ، لهم في هذا الخيال الباع الطويل ، فإن الشيطان يشاركهم فيه ، وهو لهم شر مرشد ومعين ، وفي هذا الخيال يدرك الماديون ما يرونه ويدركونه من خوارق وآثار ، من حيث لا يشعرون ولا يدرون ، فلا يستطيعون إنكارها ، ولا يقدرون على حل