ولا أنت ، وهذا فإن الحق يغار على المحب أن يكون له وجود في نفسه لغير محبوبه ، ألا ترى الملائكة المهيمة بجلال اللّه تعالى أمالها الحب عن رؤية ذاتها ، ومشاهدة كونها .
( ف ح 2 / 325 - ذخائر الأعلاق )
لا يحب أحد محبوبا لنفس المحبوب وإنما يحبه لنفسه :
ومن عرف الحقائق قال : ليس من الخير حب الغير ؛ فما أحب المحب في غيره إلا نفسه ، فما أحب الغير ، ولا يصح حب الغير أبدا ، لأن حب الغير ما فيه خير ، فإذا كان فيه خير يعود على المحب ، فنفسه أحب ، لأنه أحب إعادة ذلك الخير عليه ، فإن ذلك الغير من حقيقته أن يكون له وجود ما هو عين هذا الآخر ، والمحبوب كما قلنا أبدا لا يكون إلا معدوما ، إما في موجود أو لا في موجود ، فإن الموجود محال أن يحب لذاته ، وإنما يحب لأمر عدمي ، ذلك الأمر العدمي هو المحبوب منه أن يكون ، والعدم ليس بغير للمحب ، ولا يزال هذا المعدوم المحبوب منوطا بالمحب ، لقيام حبه به وتعلقه بذلك المحبوب ، فلا يزال متصلا به وصل خيال حتى يقع في الحس ، هذا شأنه في المخلوق ، وفي الحق الإيجاد ، فعلى الحقيقة لا يحب أحد محبوبا لنفس المحبوب ، وإنما يحبه لنفسه ، هذا هو التحقيق ، فإن المعدوم لا يتصف بالإرادة فيحبه المحب له ، ويترك إرادته لإرادة محبوبه ، ولما لم يكن الأمر في نفسه على هذا ، لم يبق إلا أن يحبه لنفسه . ( ف ح 4 / 426 )
عز الحب وذل المحب :
ولما كان الحب من صفات الحق حيث قال
يُحِبُّهُمْ
، ومن صفات الخلق حيث قال
وَيُحِبُّونَهُ
، اتصف الحب بالعزة لنسبته إلى الحق ووصف الحق به ، وسرى في الخلق بتلك النسبة العزية ، فأورثت في المحل ذلة من الطرفين ، فلهذا ترى المحب يذل تحت عز الحب لا عز المحبوب ، فإن المحبوب قد يكون مملوكا للمحب مقهورا تحت سلطانه ، ومع هذا تجده يذل له المحب ، فعلمنا أن تلك عزة الحب لا عزة المحبوب ، قال أمير المؤمنين هارون الرشيد في محبوباته :
ملك الثلاث الآنسات عناني * وحللن من قلبي بكل مكان
ما لي تطاوعني البرية كلها * وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى * - وبه قوين - أعز من سلطاني