أن الفلك يجري بأنفاس الإنسان ، بل بنفس كل متنفس . والمقصود الإنسان بالذكر خاصة ، لأنه بانتقاله ينتقل الملك ويتبعه حيث كان ، فلا يزال العالم يصحبه الإنسان لهذه العلة ، ثم إن الإنسان مفتقر لهذه الأمانات التي عند العالم ، ومع افتقاره إليها ، فإن المحبين من رجال اللّه العارفين شغلوا نفوسهم بما أمرهم به محبوبهم ، فهم ناظرون إليه حبا وهيمانا ، قد تيمهم بحبه ، وهيّمهم بين بعده وقربه ، فمن هنا نعتوا بأنهم آثروه على كل مصحوب ، لأنه صاحبهم لقوله تعالى :
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ
وكل من في العالم يصحبه أيضا لأجل الأمانة التي بيده ، فيؤثر الإنسان - لمحبته للّه - جناب اللّه على كل مصحوب ، قيل لسهل :
« ما القوت ؟ » قال : « اللّه » قيل له : « ما نريد إلا ما تقع به الحياة » قال : « اللّه » فلم ير إلا اللّه ، فلما ألحوا عليه وقالوا له : « إنما نريد ما به عمارة هذا الجسم » ، فلما رآهم ما فهموا عنه ، عدل إلى جواب آخر فقال : « دع الديار إلى بانيها ، إن شاء عمرها وإن شاء خربها » يقول : ليس من شأن اللطيفة الإنسانية صحبة هذا الهيكل الخاص ، ولا بد أن تشتغل هي بما كلفها المحبوب ، الذي هو عين حياتها ووجودها ، وأي بيت أسكنها فيه سكنته ، هذا إن كان يقول بعدم التجريد عن النشأة الطبيعية ، كما نقول وكما أعطاه الكشف ، وإن كان يقول بالتجريد عن الطبيعة وارتفاع العلاقة ، فهو على كل حال ، ممن يؤثر اللّه على كل مصحوب .
المحب اللّه - آثر الحق الإنسان من كونه محبوبه على جميع العالم ، فأعطاه الصورة الكاملة ، ولم يعطها لأحد من أصناف العالم ، وإن كان موصوفا بالطاعة والتسبيح للّه ، فقد آثره على كل مصحوب ، قال تعالى :
وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
أعطاه جميع الأسماء الإلهية كلها ، فسبّحه بكل اسم إلهيّ له بالكون تعلق ، ومجّده وعظّمه ، وما ثمّ في المخلوقات أشرف من الملك ، ومع هذا فقد فضل عليه الإنسان الكامل بعلم الأسماء ، فهو في هذه الحضرة وهذا المقام أفضل ، فهذا حد إيثار الحق له . ( ف ح 2 / 355 )
المحب محو في إثبات :
أما إثباته فظهر في تكليفه ، ومن العبادات الفعلية في صلاته ، فقسمها بينه وبين عبده فأثبته ، وأما محوه في هذا الإثبات فقوله :
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
وقوله :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
وقوله :
إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ
وقوله :
وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
وقوله :
مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ
فهذا في غاية البيان من كتاب اللّه ، محو في