في حق نفسه يسعى ، فإن له في ذلك الفعل لذة عظيمة ، لا ينالها إلا بذلك الفعل ، فالمحبوب ممتن عليه إذا مكنه مما تقع للمحب به لذة من المحبوب ، فيرى المحب أي شيء جاء من المحبوب فهو كثير ، فهو إنعام سيد على عبد ، وأي شيء كان من المحب في حق المحبوب ، ولو كان تلف الروح والمهجة في رضاه ، لكان قليلا ، لأنه طاعة عبد لسيد محسان ، وما قدروا اللّه حق قدره ، فالمحبوب غني ، فقليله كثير ، والمحب فقير ، فكثيره قليل ، ولكن إن كان هذا نعت المحب عند هم ، فهو نعت محب ناقص المعرفة ، كثير الحب على عماية ، لأن المحب إذا كان المخلوق ، ليس له شيء يملكه ، حتى يستقل أو يستكثر .
وأما إذا كان المحب اللّه ، فإنه يستكثر القليل من عبده ، وهو قوله :
فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
و
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
، وأما استقلاله الكثير في حق أحبابه من عباده ، فإن ما عند اللّه ما له نهاية ، ودخول ما لا نهاية له في الوجود محال ، فكل ما دخل في الوجود فهو متناه ، فإذا أضيف ما تناهى إلى ما لا يتناهى ، ظهر كأنه قليل ، أو كأنه لا شيء وإن كان كثيرا ، وهنا نظر يطول . ( ف ح 2 / 353 )
المحب يعانق طاعة محبوبه ويجانب مخالفته :
قال شاعرهم :
تعصي الإله وأنت تظهر حبه * هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته * إن المحب لمن يحب مطيع
المحب عبد ، والعبد من وقف عند أوامر سيده ، وتجنب مخالفة أوامره ونواهيه ، فلا يراه حيث نهاه ، ولا يفقده حيث أمره ، لا يزال ماثلا بين يديه ، فإذا أمره رأى هذا المحب أنه قد امتن عليه ، حيث استعمله وأمره ، وأن هذا من عنايته به وإن فقد رؤيته ومشاهدته فيما شغله به ، فهو في نعيم ولذة ، بكونه يتصرف في مراسيم سيده وعن إذنه .
فإن كان المحب اللّه ، فأمر المحبوب له ، دعاؤه ورغبته فيما يعنّ له ويحبه ، ثم إنه يكره أشياء ، فيدعوه بصفة النهي مثل قوله :
لا تُزِغْ قُلُوبَنا
وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً
وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ
فهذا سؤال بصفة نهي ، فقد وقع منه الأمر والنهي لسيده ، وإجابة الحق هذا العبد من حيث هو محب لهذا العبد ، كالطاعة من العبد لأوامر سيده ومجانبة مخالفته . ( ف ح 2 / 353 )